دقائق معدودة بينك وبين الحياة إن كنت من سكان غزة، فإما أن تهبط من الطابق الحادي عشر سريعا أو تباغتك الطائرات الإسرائيلية بالقصف. البرج السكني في حي تل الهوا شاهد جديد على جرائم إسرائيل بحق السكان المدنيين في غزة.

محمد عمران-غزة

كاد وسام اللولو (45 عاما) أن يفقد حياته مع أسرته، وذلك قبيل أن تقصف طائرات الاحتلال مساء السبت برجا سكنياً وتسويه بالأرض بشكل كامل في حي تل الهوا بمدينة غزة.

فقد كان وسام غارقا في نومه قبيل القصف، ولم يرد على الاتصالات التي كانت تأتيه على هاتفه المحمول من الأقارب والجيران لإخباره بسرعة المغادرة، حتى استجابت زوجته لرنين الهاتف الثابت، وإذا بها شقيقة زوجها تخبرها بوجود تجمع للناس أمام البرج.

عندها أيقظت زوجها، لتخبره بما جاء في الاتصال، فيطل هو من شرفة الشقة، وإذا بالسكان ينزلون بسرعة كبيرة ولم يعلم بعد أن الأمر يتعلق بالقصف، حتى بادر بالاتصال بحارس البرج يستفسر منه عما يجري فأخبره الأخير أن البرج سيقصف بعد دقائق.

وسام اللولو عثر على صورة طفله فقط في حطام البرج (الجزيرة نت)

لم يتردد وسام بالهروب مع عائلته مسرعاً من الطابق الحادي عشر عبر المصعد الذي اضطر حارس البرج لتشغيل مولد الكهرباء حتى يعمل، وقبل أن يبتعد عشرات الأمتار، كانت الصواريخ تنهال على البرج أمام ناظريه.

ويقول للجزيرة نت إن طائرات الاحتلال أطلقت أول صاروخ استرشادي، ليعتقد الجميع أن الأمر قد تم بقصف شقة بالبرج، لكن ما هي إلا دقائق حتى أطلقت الطائرات صاروخين آخرين، وفجأة خرجت النار وانهار البرج بلحظات.

ويضيف أنه كان موقفاً مرعباً للغاية، لم يمر به طوال حياته، فمشاهدة برج سكني يهوي على الأرض أمر غير معتاد، خصوصاً لدى الأطفال، الذين لم تتوقف صرخاتهم.

يفوق التصور
من جهته لم يتوقع الفلسطيني حاتم الصفطاوي (49 عاماً) أن همجية الاحتلال تصل إلى هذا الحد، فالتجارب السابقة تؤشر على استهدافه شقة أو أكثر في البنايات السكنية، أما أن يسوي البرج بالأرض، فجريمة لم يكد يصدقها.

ورغم أن زوجته حملت معها أمتعتها وما توفر من أموال وبعض الوثائق الرسمية، وهمت بالخروج من الشقة قبل دقائق من القصف، إلا أنه أوعز لها بتركها خشية ضياعها منها خلال فرارها لقناعته بأن الأمر لن يتعدى سوى دقائق معدودة ويعودون إلى البرج بعد قصف الاحتلال للشقة المتوقع استهدافها.

فروا من البرج دون أن يحملوا الأمتعة والأموال أو الملابس (الجزيرة نت)

بيد أن الواقع خالف المعتاد والمتوقع، إذ دمر الاحتلال برجاً سكنياً يضم نحو خمسة وأربعين شقة بغرب مدينة غزة، بعد أن اتصل بعدد من السكان وأخبرهم بضرورة مغادرة شققهم السكنية قبل قصفه بنصف ساعة.

ولا تزال معالم الغضب والحزن تسيطر على حاتم وهو يتحدث للجزيرة نت عن لحظات فراره الصعبة من البرج ليمكث في الشارع مع عائلته، وهو يتابع من كثب لحظات القصف والتدمير واشتعال النيران ثم انهيار البرج.

وثائق شخصية
وبينما كانت الجزيرة نت تحاور الخمسيني حلمي السقا، نجح أبناؤه في العثور على بعض الوثائق الرسمية كبطاقات الهوية والشهادات الرسمية أسفل طبقات الركام، لكن مشهد البرج وقد دمر في لحظات يحز في نفس الأب الذي ضاع شقاء عمره ثمناً للشقة وتشطيبها وأثاثها.

ومع أن لحظات ما قبل القصف وأثناءه، تبدو صعبة على حلمي، حيث نزح عنده ابناه مع عائلاتهما، إلا أنه لم يحتمل التنقل بين الركام، وظل يتأمل في سكان البرج الذين بدؤوا يعودون بساعات الصباح، علهم يظفرون ببعض مقتنياتهم.

الكبار لم يجدوا سوى دمى الصغار (الجزيرة نت)

وتساءل في حديثه للجزيرة نت "ألا يعد تدمير هذا البرج جريمة يعاقب عليها الاحتلال؟ إذا كان يستهدف شخصاً أو شقة، فما ذنب بقية السكان؟ أين سنعيش مع عائلاتنا الآن؟".

ورصدت الجزيرة نت حالة من الوجوم والغضب على وجوه سكان البرج، وهم يتفقدون في كل ناحية من الركام بقايا ما تركوه في شققهم السكنية.

وبينما نشط الأطفال في البحث عن ألعابهم، لم تستطع بعض النساء حبس دموعهن وبقين يبكين بصمت، بينما آثر الرجال إبداء ملامح الصمود والتحدي للاحتلال عبر كلماتهم ومواقفهم التي أطلقوها أمام وسائل الإعلام المحلية والأجنبية.

المصدر : الجزيرة