قال عنها محمود درويش "كل ما فيك نرجس"، وقال عنها أحمد شوقي "ووجهك ضاحك القسمات طلق"، أما خليل خوري فقال "من قاسيون أطل يا وطني فأرى دمشق تعانق السحبا"، لكن دمشق اليوم "أسوا مدينة للعيش في العالم".

سلافة جبور-دمشق

دمشق العاصمة العربية الملهمة العريقة التي تغنى بها شعراء العرب أمثال أحمد شوقي ونزار قباني ومحمود درويش أضحت اليوم أسوأ مدينة للعيش في العالم.  

ففي تقرير صادر عن وحدة المعلومات التابعة لمجلة إيكونومست الاقتصادية المتخصصة في بريطانيا الثلاثاء الفائت حلت العاصمة السورية في المرتبة الأخيرة لأكثر مدن العالم التي يمكن الاستمتاع بالعيش فيها.

يقول سكان دمشق إن الحرب دمرت أجزاء عديدة من مدينتهم، بينما تعيش الأحياء المتبقية على وقع قذائف الهاون العشوائية وغلاء الأسعار وسوء حال الخدمات الأساسية، كالكهرباء والمياه والوقود.

تقول ماسة -وهي من سكان دمشق- "الحياة في دمشق باتت تحديا يعيشه بشكل يومي أكثر من سبعة ملايين من سكانها بين أحياء يسيطر عليها النظام وأخرى المعارضة وأخرى تقع على خط النار، تحاول مدينتنا ألا تفقد ما تبقى من روح آخذة بالتلاشي بسبب سنوات الحرب الثلاث الأخيرة".

وبحسب تقرير إيكونومست -الذي يعتمد على عدة عوامل، منها الاستقرار ونوعية الرعاية الصحية والتعليمية والبنية التحتية والبيئة- فقد تراجعت دمشق كمدينة صالحة للعيش بنسبة 28% خلال السنوات الخمس الأخيرة.

بعض مناطق دمشق تعج بالنازحين وتعاني أوضاعا معيشية صعبة (الجزيرة)

غلاء الخدمات
وقد اعتمد المسح على تقييم الأحوال المعيشية في عدد من المدن على أساس عدد من العوامل الرئيسية، بما في ذلك الاستقرار وجودة الرعاية الصحية والثقافة والبيئة والتعليم والبنية التحتية.

أما منى -وهي ناشطة من دمشق- فتقول إن صعوبات الحياة اليومية في العاصمة السورية أكثر من أن تحصى، فمن غلاء الأسعار وإيجارات المنازل إلى انتشار الحواجز والازدحام وصعوبة التنقل والانقطاعات الطويلة للمياه والكهرباء، ليجد المواطن السوري نفسه عاجزا عن الحياة بشكل طبيعي.

وتضيف للجزيرة نت أن أسعار كافة المواد الغذائية والمحروقات والملابس إضافة إلى الخدمات الأساسية تضاعفت أربع أو خمس مرات خلال السنوات الأخيرة دون أن تقابلها زيادة مناسبة في الرواتب، واليوم يصرف سكان المدينة -ومعظمهم من ذوي الدخل المحدود- جل ما يكسبونه لشراء الطعام والدواء والتنقلات دون أن تكون لديهم القدرة على الاستمتاع بأبسط رفاهيات الحياة.

وتشير المتحدثة إلى أن معظم القطاعات الخدمية في دمشق تعاني مشاكل جمة، فالكهرباء والمياه تقطعان لفترات طويلة وأحيانا لأيام متتالية في بعض الأحياء، والازدياد الكبير في عدد السكان والناجم عن نزوح معظم أهل الريف إلى المدينة فرض واقعا جديدا تمثل في ازدحام وسائل النقل وصعوبة العثور على مسكن وعمل ملائمين.

ولا يبدو القطاع الصحي أفضل حالا، فمعظم معامل الأدوية المحلية توقفت عن العمل بسبب تواجدها في مدينة حلب أو ريف دمشق، الأمر الذي أدى إلى فقدان معظم أصناف الأدوية من الصيدليات، أما الأدوية المستوردة فقد ارتفعت أسعارها بشكل يعجز المواطن العادي عن شرائها، كما تنتشر الكثير من الأمراض بسبب انعدام أبسط معايير النظافة، خاصة في مراكز الإيواء ضمن العاصمة.

الدمشقيون يعانون صعوبات حياتية عديدة كالأسعار والازدحام وغياب الخدمات (الجزيرة)

انعدام الأمان
ويتفق أبو طارق -وهو ناشط من داخل دمشق- مع ما ذهبت إليه منى، إذ يقول إن انتشار القمامة وانقطاع المياه وغياب الخدمات الصحية عن الكثير من أحياء دمشق خاصة القريبة من المناطق المحاصرة مثل دف الشوك والصناعة ونهر عيشة أدى إلى انتشار الحشرات الضارة والأمراض خاصة بين النازحين الذين يفترش الكثير منهم الطرقات، على عكس الأحياء الراقية والموالية للنظام مثل المالكي والروضة والمهاجرين والتي تكاد تخلو من أي تجمع للمهجرين من مدنهم وقراهم.

ويضيف أبو طارق للجزيرة نت أن الحياة في دمشق لم تعد آمنة على الإطلاق، فعمليات السرقة والخطف بهدف طلب الفدية تتم اليوم بشكل علني في ظل غياب أي رقيب أو محاسب خاصة في المناطق التي تقع تحت سيطرة اللجان الشعبية والشبيحة كضاحية قدسيا، كما أن سرقة المنازل خلال عمليات الدهم بحجة البحث عن مطلوبين باتت أمرا شائعا في الكثير من المناطق كحي الميدان.

ويشير أبو طارق إلى مشاكل أخرى في المناطق المحاصرة كمخيم اليرموك أو تلك التي هادنت النظام كبرزة والقابون، فالبنية التحتية والمدارس دمرتا بشكل شبه كلي، والخدمات التعليمية في تلك المناطق تعاني الأمرّين، وتهدد بضياع جيل كامل بسبب غياب الكوادر المختصة والمستلزمات الضرورية.

ومن الملفت للنظر أن معظم هذه الأخبار تغيب عن وسائل الإعلام الرسمية السورية والتي تتركز معظم عناوينها على "إنجازات الجيش العربي السوري في مكافحة الإرهاب"، وتتنوع أخبارها الأخرى بين فعاليات شعرية وثقافية في دمشق، ورحلات وخدمات سياحية يتمتع بها السكان في بعض الأحياء والمناطق "الآمنة" كمصيف الربوة في دمشق وريف مدينة معلولا.

المصدر : الجزيرة