يروي مسيحيون عراقيون فروا للأردن تفاصيل "رحلة آلام" جديدة، فروا خلالها من الموصل إلى أربيل، ومنها للأردن، يتطلع هؤلاء لهجرة طويلة بلا عودة لوطنهم الذي تقلص عدد المسيحيين فيه من 1.5 مليون قبل الغزو الأميركي إلى 400 ألف فقط اليوم.

الجزيرة نت-عمان

قال مسيحيون عراقيون فروا مؤخرا من الموصل شمالي العراق إلى العاصمة الأردنية عمان ولجؤوا لكنائس عدة، إنهم يتطلعون لهجرة طويلة ربما تكون نهائية بعدما فقدوا الأمل بالعودة لبلادهم، بسبب الظروف الصعبة التي يشهدها وطنهم، كما قالوا.

وبدأت عشرات العائلات منذ أيام رحلة عبور شاقة للأردن، هربا من المواجهات المسلحة التي يشهدها العراق، والتي تصاعدت خلال الأسابيع الماضية على نحو غير مسبوق.

ووصلت العائلات العراقية المسيحية لكنائس أردنية في عدد من المناطق، من بينها كنيسة الروم الكاثوليك بمنطقة ماركا شرقي العاصمة الأردنية عمان.

أحد الفارين للأردن كرم (38 عاما)، الذي وصل للأردن مع زوجته وطفليه، بعد أن كان يعمل موزعا للبضائع البلاستيكية في الموصل، قال إن المسيحيين في العراق يعيشون منذ عام كالبدو الرحل، وإنهم يتنقلون من منطقة لأخرى.

وقال كرم للجزيرة نت أن الأحداث الأخيرة "هي الأسوأ"، وأضاف "نتطلع لهجرة طويلة في أي بلد أجنبي يحترم حقوقنا كبشر".

عائلات عراقية مسيحية بصالة طعام تابعة لكنيسة كاثوليكية بعمان (الجزيرة نت)

لجوء وقلق
وأضاف -أثناء وجوده داخل غرفة كبيرة خصصت لإطعام اللاجئين في الدير التابع للكنيسة- أن معاناته تلخص معاناة عشرات آلاف المسيحيين الذين فروا بأرواحهم من جحيم الموت بالعراق.

وأكد أنه فر من بلدة "المشراقة"، ذات الأغلبية المسيحية إلى أربيل في كردستان العراق، وأنه ما زال قلقا على مصير والديه، بعدما تقطعت بهما السبل بأربيل أيضا، متهما تنظيم الدولة الإسلامية بإتلاف وثائق سفرهما، كما قال.

وتابع "فقدنا كل شيء (..) أموالنا منازلنا سياراتنا كلها صودرت، حتى أن الكثير غادر إلى أربيل سيرا على الأقدام (..)، كانت رحلة شاقة ومؤلمة".

واستطرد قائلا "في أربيل عشنا أوضاعا صعبة بسبب نقص المساعدات (..)، الوضع هنا أفضل، لكن الهجرة إلى الخارج تبدو أفضل، نريد أن نعيش، لن نعود لنقتل مرة أخرى".

ولا يختلف حال مشرق (22 عاما) الذي فر هذا الأسبوع من قرقوش -كبرى البلدات المسيحية بالعراق- عن حال كرم.

وقال مشرق "هربنا إلى أربيل ومن ثم للأردن ونفكر حاليا باللجوء إلى أي دولة أجنبية (..)، تعبنا كثيرا وهناك ما يستدعي الخروج بلا عودة".

وتابع بألم "لم يبق مسيحي بالموصول إلا وفرّ بجلده، باستثناء عدد قليل من متقدمي السن".

اللاجئة العراقية سماهر:
سبق وعانينا، لكن الوضع اليوم أسوأ بكثير، الأمان مفقود والقتل على الهوية"، لن نعود في مثل هذه الظروف، الهجرة أفضل مليون مرة

مصير مجهول
ومن بين اللاجئين في الدير كانت وسن (33 عاما) التي قالت إنها فرت مع زوجها وطفلها من بلدة الحمدانية.

وتابعت "القهر والجوع والخوف من مصير مجهول دفعنا للفرار"، وأردفت بكلمات خالطها شيء من الحزن والمرارة "يا ليت أننا لم نغادر منازلنا، لكن الهجرة باتت أمرا ضروريا في ظل أعمال قتل هي الأعنف منذ سنوات".

واستذكرت بحرقة مشاهد موت مفزعة عند مغادرتهم صباح ذلك النهار، وقالت إنها رأت أشلاء كانت عالقة بأسلاك الكهرباء، على حد ما ذكرت.

أما سماهر (29 عاما) -وهي أم لثلاثة أطفال- فتحدثت عن رحلة لجوئها التي وصفتها بـ"القاسية"، وقالت وهي تذرف الدموع "هربنا من القصف تحت جنح الظلام، وسرنا ساعات طويلة باتجاه أربيل (..) تركنا ورائنا كل شيء".

ومضت تقول "سبق وعانينا، لكن الوضع اليوم أسوأ بكثير، الأمان مفقود والقتل على الهوية"، وتابعت "لن نعود في مثل هذه الظروف، الهجرة أفضل مليون مرة".

وقال لاجئ أخفى هويته "الشعب العراقي يموت في كل يوم وساعة، والسياسيون لا يهمهم إلا مصالحهم، لا نريد منهم شيئا، نريد أن نعيش فقط".

وخلال الجولة التي قامت بها الجزيرة نت على هؤلاء اللاجئين، بدا أن الغالبية تتطلع لتأمين تأشيرات سفر لدول أجنبية أملا في هجرة قد تكون طويلة وربما دائمة، كما كانوا يقولون.

كما شوهدت عائلات كانت تدون بياناتها على نماذج هجرة لأمريكا وكندا وفرنسا وغيرها من الدول الغربية.

طفلة لجأت مع عائلتها تلهو بدير تابع لكنيسة بعمان (الجزيرة نت)

ألف لاجيء
وأكد وائل سليمان -المدير العام لجمعية الكاريتاس الأردنية، التي تقدم معونات للاجئين المسيحيين- إن الجمعية استقبلت بالاتفاق مع الحكومة الأردنية نحو 300 لاجئ عراقي منذ بدء الأزمة الأخيرة من أصل ألف سيصلون الأردن تباعا.

وقال إن "الجمعية والكنيسة الكاثوليكية رتبتا لاستقبال هؤلاء اللاجئين، وسنتولى تأمين احتياجاتهم".

مصدر أردني رسمي أكد للجزيرة نت إن الأردن وافق على استقبال ألف لاجئ مسيحي فقط، مؤكدا أن بلاده محدودة الموارد وما زالت تعاني تدفق آلاف اللاجئين السوريين.

يشار إلى أن النزاعات التي يشهدها العراق منذ 2003 قلصت عدد السكان المسيحيين لحوالي 400 ألف -نصفهم هجر من شمالي العراق بعد سيطرة مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية- بعد أن كان عددهم يبلغ 1.5 مليون قبل الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

المصدر : الجزيرة