يبدو أن الرئيس المصري عبد الفتاح السياسي قد بدأ بجني ثمار موقفه من العدوان الإسرائيلي على غزة، على صعيد علاقاته بأميركا، فيما يرى مراقبون أن علاقات واشنطن بمصر إستراتيجية ولا تغيرها ممارسات أي نظام مصري خاصة تجاه موقفه من الديمقراطية.

ياسر العرامي-ديترويت

يرصد مراقبون تغيرا في الموقف الأميركي من النظام المصري ورئيسه عبد الفتاح السيسي، ويرى هؤلاء أن السيسي بدأ يحصد ثمار موقفه من العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث امتدحت مسؤولة أميركية السيسي واعتبرته "قائد عملية التحول الديمقراطي في مصر".

لكن مراقبين ومحللين آخرين اعتبروا أن هذا الموقف ينطلق من الواقعية السياسية، وطبيعة العلاقة الأميركية المصرية الإستراتيجية، والتي لا يمكن أن تتخلى عنها واشنطن بسهولة بغض النظر عن ممارسات الحكم وسلوكه.

وكانت ماري هارف -نائبة المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية- قد قالت إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي "يقود عملية التحول نحو الديمقراطية" في مصر، مؤكدة أن تلك العملية سوف تستغرق "وقتاً طويلاً".

وأوضحت هارف -في تصريحات صحفية منتصف الاسبوع الجاري- أن الولايات المتحدة ترى أن السيسي "رئيس منتخب"، وأنه سوف يستكمل عملية الانتقال الديمقراطي، مشددة على ضرورة أن تتخذ مصر مزيدا من الخطوات المهمة لإتمام تلك العملية.

مومني: التصريحات تعكس النهج العملي للعلاقات الأميركية مع مصر (الجزيرة نت)

أكثر ليونة
واستغرب خبير الأمن الدولي في برنامج الدراسات الأمنية بمعهد ماساتشوستس الدكتور جيم والش، هذه التصريحات.

وأشار للجزيرة نت إلى أحدث تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش الذي يوثق للاعتقالات والقتل خارج نطاق القانون والتعذيب واعتقال الصحفيين في مصر.

وانتقد والش حالة حقوق الإنسان المتردية في مصر والتي تتعارض بشدة مع تصريحات المتحدثة الأميركية، لافتاً إلى وجود حملة إعلامية عدائية وصدور أوامر بتنفيذ محاكمات جماعية دون اتباع الإجراءات القانونية.

مع ذلك يرى الباحث الأميركي أن الولايات المتحدة لم تغير موقفها من مصر ولكنه أصبح أكثر ليونة.

وأضاف "واشنطن لا تزال قلقة بشأن حقوق الإنسان في مصر وستستمر في تأجيل بعض المساعدات العسكرية لكن نفوذ مصر في غزة وتملقها للروس قد يقلل من الانتقادات الأميركية للسلطات المصرية".

وقال والش إن الحديث الأميركي بشأن التحول الديمقراطي في مصر محاولة للحفاظ على علاقات مع فاعل إستراتيجي هام في منطقة الشرق الأوسط، في حين أن واشنطن في الواقع تواصل الضغط الهادئ على مصر وتحاول تعديل سلوكها.

وخلص إلى أن الولايات المتحدة في نهاية المطاف لا يمكنها أن تجبر مصر على أن تصبح دولة ديمقراطية ولكن المصريين أنفسهم من يقدرون على فعل ذلك.

جيم والش:
واشنطن لا تزال قلقة بشأن حقوق الإنسان في مصر وستستمر في تأجيل بعض المساعدات العسكرية، لكن نفوذ مصر في غزة وتملقها للروس قد يقلل من الانتقادات الأميركية للسلطات المصرية"

الموقف من غزة
من جهتها رأت بسمة مومني -أستاذة العلوم السياسية في جامعة واترلو- أن تعليق نائبة المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية كان بمثابة الأمر الذي لا مفر منه، وأنه ذات صلة أقل بالموقف المصري من حرب غزة.

وأضافت مومني للجزيرة نت أن الولايات المتحدة تدرك أن نظام السيسي لديه قبضة محلية قوية وهناك القليل الذي يمكنها فعله لتغيير الوضع في الوقت الراهن.

واعتبرت الباحثة في مركز ابتكار الحكم الدولي بأن تصريحات هارف تعكس النهج العملي للعلاقات الأميركية مع مصر.

وأشارت إلى أن الولايات المتحدة الأميركية قد حاولت أن تتخذ موقفاً متشدداً مع مصر ولكن هذا لعب دوراً في بناء دعم محلي أقوى للسيسي من خلال ركوب موجة "القومية المفرطة" والمشاعر المعادية للولايات المتحدة المدعومة من السيسي.

وتعتقد مومني بأن الولايات المتحدة تحاول اتباع نهج جديد من الاسترضاء حتى يتغير الوضع المحلي المصري، وأرجعت هذا إلى الخيارات المحدودة التي تواجهها واشنطن في مصر، مشككة بذلك في أن تكون الخارجية الأميركية داعمة لنظام السيسي في نقاشها الداخلي.

ولفتت المتحدثة إلى أن إدارة باراك أوباما في طريقها لمغادرة السلطة وبذلك فإنها لا تريد أن تترك إرثاً يعبر عن "خسارة مصر كحليف إستراتيجي".

أوين: العلاقة بين مصر وأميركا تبقى حاسمة بغض النظر عمن يحكم (الجزيرة نت)

يجني الثمار
أما أستاذ السياسة في جامعة فرجينيا الدكتور جون أوين فيرى أن السيسي بدأ فعلاً يجني ثمار موقفه من الحرب على غزة.

وأضاف أوين للجزيرة نت "الولايات المتحدة تضع بوضوح أولوية عالية لإنهاء الصراع في غزة والانتقاص من قوة  حماس".

كما يعتقد المتحدث بأن السيسي أيضاً بدأ يجني ثمار زيارته الأخيرة إلى روسيا.

مضيفاً "على المدى الطويل روسيا لا يمكن لها أن تحل محل الولايات المتحدة باعتبار الأخيرة راعية مصر، والآفاق الاقتصادية في روسيا ليست جيدة ولكن روسيا تتمتع الآن ببعض المكانة على المدى القصير".

وأرجع أوين التصريحات الأميركية إلى أن واشنطن لا تريد أن تفقد علاقة طويلة ومثمرة مع مصر، وأنه بغض النظر عمن يحكم البلد فإن العلاقة بين مصر وأميركا تبقى حاسمة.

واستبعد أن تكون الولايات المتحدة تمهد "لمبارك جديد" من خلال الحديث عن استغراق عملية التحول لوقت طويل، قائلاً أن واشنطن تفضل ديمقراطية دستورية متعددة الأحزاب في مصر.

وتابع "في نفس الوقت يجب العمل مع النظام القائم، نظراً لمصالحها الإستراتيجية فإنه لا يمكن للولايات المتحدة معارضة السيسي علناً".

وأعرب المتحدث عن أمله بأن تكون واشنطن أقل حماساً بشأن نظام السيسي وأن تضغط عليه بالوقت نفسه من أجل تخفيف السياسات القاسية تجاه المعارضة الداخلية، لافتاً إلى أن هذه القسوة أتت بنتائج عكسية في نهاية المطاف على نظام مبارك ويمكنها أن تفعل الشيء نفسه مع السيسي.

المصدر : الجزيرة