شلّ القصف الإسرائيلي لقطاع غزة حركة النقل بين مناطقها التي تعتمد على بعضها البعض في تأمين الموارد اللازمة لحياة المواطنين، وأدى انتشار الموت على الطرقات إلى إحجام الموردين عن نقل بضائعهم إلى الأسواق وبالتالي حرمان الغزيين من الحصول على احتياجاتهم.

محمد عمران-غزة

حول العدوان الإسرائيلي على غزة طريق صلاح الدين الرئيس -الذي يربط بين محافظات القطاع الخمس- إلى طريق شبه مهجور باستثناء بعض الشاحنات التي تنقل السلع والبضائع، وسيارات الإسعاف، والقليل من المواطنين الذين تملكتهم الجرأة والمخاطرة ودفعتهم الضرورة للانتقال من مدينة إلى أخرى.

ويخشى الغزيون تعرضهم للاستهداف والقصف الإسرائيلي خلال مرورهم على هذا الطريق، خاصة وأن طائرات الاحتلال عادة ما تستهدف الأراضي الزراعية والمفتوحة المحيطة به.

وتختصر تجربة تاجر الخضراوات عيسى السعايدة (42 عاماً) حجم المخاطر الكبيرة التي تحدق بالمتنقلين بين محافظات غزة، فبعد نجاته من موت محقق جراء قصف طائرة مقاتلة إسرائيلية لأرض محاذية للطريق أثناء مروره عليها، اختار عدم المغامرة مرة أخرى، وأحجم عن نقل بضاعته من خان يونس جنوباً لبيعها في أسواق شمال القطاع كما يفعل عادة.

ولا تزال الحادثة التي يصفها بالقاتلة والمروعة شاخصة أمام ناظريه، فإصراره على الاستمرار في عمله، كاد يكلفه حياته ولو تأخر لبضع ثوان في الهروب من شاحنته التي سقط صاروخ على مسافة قريبة منها لكان مصيره مختلفا وربما لم يكن ليعيش لهذا اليوم.

وقد نتج عن الحادث إصابته إصابة طفيفة، بينما تضررت شاحنته جزئياً، وتلف نحو 300 صندوق خضار كان ينقلها.

اشتداد القصف سبب توقفا شبه كامل للحركة المرورية بين مدن القطاع (الجزيرة)

مخاطرة
وبينما يجزم عيسى -في حديثه مع الجزيرة نت- أن التنقل بين مدن القطاع خلال الحرب الحالية، يعني السير على طريق يحفه الموت من كل جانب، أكدّ أن لا شيء يستحق هذه المخاطرة إلا إذا كان لأمر غاية في الأهمية. ووصف الرحلة القصيرة بأنها كفيلة أن توقف قلب المرء عن الخفقان مرات عديدة.

وترتبط محافظات غزة -من رفح جنوباً إلى بيت حانون شمالاً- مع بعضها، عبر طريقين رئيسين هما: طريق صلاح الدين وسط القطاع الذي يتعرض ومحيطه للقصف المدفعي والصاروخي، والطريق الساحلي، حيث بوارج البحرية الإسرائيلية تقذف حممها صوب المارين عليه من حين إلى آخر.

ورغم انسحاب جيش الاحتلال من قطاع غزة وتقليص حجم المخاطر الناتجة عن توغله بالمناطق الحدودية فإن ذلك لم يطمئن السكان إلى الحركة والسفر بحرية بين المدن، لتظل الحركة محدودة للغاية.

وتؤكد التجربة التي خاضتها الجزيرة نت أكثر من مرة بالانتقال من جنوب القطاع إلى بلدة بيت لاهيا شمالاً، تخوفات الفلسطينيين من خطورة تنقلهم خارج مدن القطاع.

فعند الخروج من خان يونس تقابل بمخلفات القصف التي كانت تغلق الجانب الأيمن من الطريق الرئيس لعدة أيام، قبل رفع أكوام الرمال وإصلاح الحفر جزئياً وإعادة فتحه خلال أيام التهدئة، بينما يسير المتنقل في أجواء خوف لا تغيب عنها الطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، لرصد كل حركة وسكنة.

السعايدة آثر عدم السفر مجددا لشمال القطاع لبيع خضاره بعد نجاته من موت محقق  (الجزيرة)

حفر ودمار
أما القصف المدفعي فآثاره واضحة على طول الطريق، من خلال الحفر متعددة الأحجام التي تتسبب في صعوبة سير المركبات، بينما أسلاك أعمدة الهاتف والكهرباء مقطعة في أكثر من موقع.

وفي وسط القطاع لا يشاهد سوى بعض سيارات الإسعاف التي تأخذ مواقعها على مداخل المخيمات والبلدات، تأهباً للانطلاق صوب أي هدف يقصف.

وقبيل الوصول إلى حي الزيتون -حيث المدخل الجنوبي لمدينة غزة- لا يسمع المرء إلا دوي قذائف المدفعية التي تشعره أنها ستنقض عليه في أي لحظة، فلا يغادره النطق بالشهادتين من دون توقف، قبل الولوج إلى عمق المدينة، التي تبدو أقل خطراً، ليحمد الله بحق على النجاة من الموت والوصول بسلام.

المصدر : الجزيرة