تخوض إسرائيل معركة خاصة لتفريغ مدينة القدس من سكانها الأصليين وخلق واقع سكاني يضمن إطالة أمد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ويحض كتاب ومفكرون إسرائيليون على رفع معدل الإنجاب بوصفه السلاح الأقوى لبقاء إسرائيل في هذا المكان.

أسيل جندي-القدس المحتلة

تدور أحاديث كثيرة داخل إسرائيل حول ضرورة حسم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ديمغرافيا، وذلك من خلال تفرغ العديد من الكتاب والمفكرين لإقناع الجمهور الإسرائيلي بأن أساس الصراع بينهم وبين العرب يدور حول الأرض والديمغرافية، وأن إحلال السلام بالشرق الأوسط مرتبط بحل هاتين المشكلتين.

وتشير إحصائيات إلى أن معدل إنجاب المرأة العربية قبل عشرين عاما كان خمسة أطفال فما فوق ثم انخفض لثلاثة أطفال فما فوق، في وقت ارتفع معدل انجاب المرأة اليهودية من ثلاثة إلى ستة أطفال فما فوق.

واحتلت العائلة اليهودية من أصل شرقي -التي تعيش داخل المستوطنات وخاصة المقامة حول القدس- أعلى معدل إنجاب بالعالم في 2014، وهو ما يعزوه البعض لإيمانهم بضرورة التفوق العددي على المقدسيين.

مصالحة: إسرائيل تسعى لجعل الفلسطينيين نقطة في بحر الإسرائيليين (الجزيرة)
إطالة الصراع
وفي هذا الشأن يقول الباحث في الشؤون السياسية والصراع العربي الإسرائيلي غاي بخور إن الزيادة في معدل الإنجاب على النحو الحالي "ستساعد في إطالة أمد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وستفرض أمرا واقعا لأي حل مستقبلي يتعلق بالتجمعات السكانية اليهودية".

ويرجع تقرير لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي أي)نشرته عام 2013 عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني فيما يخص موضوع الديمغرافية، زيادة معدل الإنجاب لدى المرأة اليهودية لأسباب أيديولوجية عامة.

وعزا التقرير تراجع معدل الإنجاب لدى المرأة الفلسطينية لاعتبارات شخصية أهمها انتقال العائلات من المجتمع القروي إلى الحضري، وانخراط المرأة الفلسطينية في سوق العمل، وعزوف الشباب عن الزواج، والهجرة المضادة للبحث عن مستقبل أفضل خارج فلسطين.

فقد الهوية
وفي خطوة لتفريغ القدس من نحو 400 ألف مقدسي يحملون الهوية الإسرائيلية، حولت سلطات الاحتلال بطاقة الهوية الخاصة بالمقدسيين لهوية مؤقتة تجدد كل عشر سنوات، وهو ما اعتبره البعض تمهيدا لإخراجهم خلف الجدار العازل وتجرديهم من هذه الهويات.

ويواجه ما بين 100 و120 ألف مقدسي خطر فقد الهوية، ويضاعف الإنجاب من هذا الخطر، إذ سيحرم جيلا مقدسيا كاملا من حقه في العيش وامتلاك الهوية، وهو ما يفسح المجال أمام المستوطنين لامتلاك الأراضي وحرية السكن في القدس والاستيلاء على مزيد من الأرض.

وحسب جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني فإن آلاف المقدسيين فقدوا حق إقامتهم بالقدس بناء على الحدود الإدارية للمدينة -من وجهة نظر إسرائيل- التي تعتبر القدس جزءا من دولتها وعليه يفقد الفلسطينيون المقيمون بضواحي المدينة حق الإقامة، إضافة للطلبة الذين يتلقون تعليمهم خارج فلسطين، وأولئك الذين يقيمون بشكل مؤقت في الخارج.

الفلسطينيون في القدس يعانون من تضييق مستمر تقوم به سلطات الاحتلال (الجزيرة نت)
تفريغ القدس
تستند البيانات المتعلقة بمصادرة وإلغاء الهوية المقدسية بشكل أساسي على ما تعلنه وزارة الداخلية الإسرائيلية، إلا أن مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان بفلسطين "بتسيلم" يقول إن الداخلية الإسرائيلية أسقطت حق الإقامة عن 4577 مقدسيا خلال العام 2012 في حين أُسقط هذا الحق عن 101 مقدسي خلال العام 2011 ، و191 مقدسيا خلال العام 2010، وهو ما اعتبره مركز بتسليم مؤشرا خطيرا.

ويعتبر التضييق الكبير الذي تمارسه سلطات الاحتلال على منح تراخيص البناء من أهم وسائل محاربة النمو الطبيعي للسكان المقدسيين، وهو ما يشجع بعض المقدسيين على الرحيل خارج مدينتهم، ومن ثم تفقد الأجيال المقبلة الهوية المقدسية.

والحديث عن حرب الديمغرافيا ليس جديدا، فقبل نحو عقدين -حينما كان التوازن الديمغرافي لصالح الفلسطينيين- قال الرئيس الأميركي بيل كلينتون "إن لم تتعاون إسرائيل مع العالم وتصل لسلام مع الفلسطينيين، فستجد نفسها نقطة في بحر العرب والفلسطينيين".

تخطيط
وعن حرب الرَحِمَين الفلسطيني والإسرائيلي، يقول المستشار الإعلامي الخبير في الملف الإسرائيلي محمد مصالحة للجزيرة نت إن إسرائيل "خططت وحققت خلال عقود خلت ما تريد من مجازر وترحيل ومصادرة أراض وتغيير في معالم فلسطين".

وأضاف هي الآن "تسعى لتحقيق حلم التفوق الديمغرافي على الفلسطينيين من خلال تشجيع ودعم مشروع رفع نسبة الولادة لأسباب أيديولوجية بالمجتمع الإسرائيلي".

وقال إن هذه الخطة تقوم على مبدأ "نكون أو لا نكون" في صراع البقاء الفلسطيني الإسرائيلي، مضيفا أن عماد هذه المعادلة هو "إطالة أمد الصراع" استنادا لأن التفوق والقوة والغطرسة ستبقى سلاح إسرائيل الأبدي، وفق تصوره. وخلص إلى أن الإسرائيليين "يحلمون بالبحر البشري وتحويل الفلسطينيين إلى نقطة في هذا البحر".

المصدر : الجزيرة