في الساعات الأولى من صباح 21 أغسطس/آب من العام الماضي، استيقظ سكان الغوطة السورية وقد عجت شوارعهم وبيوتهم برائحة الموت، وتسلل غاز السارين لصدورهم فقتل مئات أغلبهم من الأطفال. واليوم يحيي الناجون ذكرى المجزرة ويروون قصصهم مع الموت.

سامح اليوسف-الغوطة الشرقية

سيظل يوم الـ21 من أغسطس/آب 2013 محفورا في ذاكرة السوريين وخاصة أهالي الغوطتين الذين استيقظوا في هذا اليوم على مجزرة غير مسبوقة في تاريخهم، وهي مجزرة الكيميائي التي راح ضحيتها مئات السوريين نتيجة تسممهم بغاز السارين.

ووفق تقرير الإئتلاف السوري المعارض، فقد أطلقت قوات النظام -التي كانت موجودة داخل اللواء 155 بالقلمون- في الساعة 2:31 من صباح ذلك اليوم 16 صاروخا أرض أرض محملة بغازات سامة يرجح أنها من نوع "السارين".

وقال التقرير إن الصواريخ سقطت في عدد من مدن الغوطتين كان أبرزها زملكا وعين ترما وكفر بطنا وعربين بالغوطة الشرقية ومدينة المعضمية بالغوطة الغربية.

وبعد أيام من القصف، بدأ الحديث عن أعداد القتلى، فقال تقرير للمخابرات الأميركية إن 1429 شخصا قتلوا بذلك الهجوم، بينما قالت المعارضة السورية إن العدد تجاوز الـ1500 شخص.

وفي الذكرى الأولى للمجزرة، حاولت الجزيرة نت رصد واقع الغوطة الشرقية واستطلاع شهادات الناجين والأطباء والناشطين والإعلاميين والذين يحيون هذه الذكرى.

جثث الأطفال الذين قتلهم السارين
بالغوطة الشرقية (الجزيرة-أرشيف)

ذكريات
يسترجع مسؤول العلاقات العامة بالمكتب الطبي الموحد د. ماجد أبو علي ذكرياته، قائلا إن تلك الليلة "ليست محسوبة من عمره وإن الكلمات تعجر عن وصفها".

ويضيف في حديث للجزيرة نت "إن كلمات مثل الرعب والخوف والهلع ليست كافية لوصف تلك الليلة، فكل ضحية وكل مصاب وكل مسعف وكل طبيب عاش هذه اللحظات يمثل قصة إنسانية منفردة".

ويتابع أبو علي "كنت دائما أتوقع الهجوم الكيميائي، فقد استهدفت الغوطة وعدة مناطق أخرى بسلاح الكيميائي قبيل مجزرة الغوطة، لكن ما لم أتوقعه هو أن يحصل الهجوم بتلك الكثافة والقسوة وأن يخلف هذا العدد الكبير من القتلى".

وعن الصعوبات التي واجهها الأطباء بعد القصف، يقول الطبيب إن أصعب ما واجهناه كأطباء "هو أن يلفظ عشرات الأطفال والنساء أنفاسهم بين أيدينا ونحن عاجزون عن فعل أي شيء".

ويروي الناشط الإعلامي محمد أبو عدي (الناجي من المجزرة) ذكرياته قائلا "رأيت الموت بعيني ولم أكن أدرك أنني سأعيش للآن".

ويتابع أبو عدي "كانت مئات الحالات برفقتي في المشفى، وكانت حالاتهم تشبه حالتي، وقد رأيت كثيرا منهم يفارقون الحياة أمامي بعد دقائق، وتوقعت أن أساق لنفس المصير، لكن الله قدّر أن أبقى على قيد الحياة".

استنشاق الموت
وتحيي الغوطة الشرقية وناشطوها ذكرى المجزرة من خلال مظاهرات وفعاليات ستقام على امتداد هذا الأسبوع، إضافة لحملة على الإنترنت تحت اسم "استنشاق الموت".

وتشرح الناطقة باسم الحملة سعاد خبية للجزيرة نت سبب إطلاق الحملة قائلة "السبب الأساسي لإطلاق الحملة هو أن ما حدث جريمة كبرى ضد الإنسانية يجب ألا تنساها البشرية في خضم المقتلة التي نعيشها، ولنعيد التذكير مرارا وتكرارا بأن المجرم الذي ارتكب تلك الجريمة لا يزال طليقا وقد نجا بفعلته بمساعدة وغطاء دوليين".

وأوضحت خبية أن الحملة "ترتكز بشكل أساسي على الواجهة الإعلامية". وقالت إنه تمت ترجمتها لتسع لغات متمثلة بصور وتقارير ومعلومات (وبروموهات) وشهادات حية من أرض الواقع لتصل لأكبر عدد من الناس حول العالم، وسيتم تزويد وسائل الإعلام بها".

وتابعت "نريد التأكيد على أن الرئيس بشار الأسد هو المسؤول عن مجزرة الكيميائي، ومع ذلك لم يحاسب على جرائمه كلها، والكيميائي بشكل خاص، ونحن نعتبر أن هذا الإفلات من العقاب على مجزرة تمثل مأساة القرن الـ21 بمثابة رخصة لمتابعة القتل".

وعزت الناطقة الرسمية للحملة تسميتها باسم "استنشاق الموت" إلى أن النظام "لم يدع للسورين مجالا للموت إلا واستخدمه، وكان آخره الهواء الذي استخدمه لقتلهم ليجعل الموت سهلا في سوريا حتى عن طريق التنفس".

المصدر : الجزيرة