قصة أخرى للموت الذي يرسمه العدوان الإسرائيلي على غزة، مجزرة عائلة اللوح بقطاع غزة تروي مأساة عائلة فقدت ثمانية من أفرادها، فيما كتبت الحياة لآخرين تم انتشالهم من تحت الركام، حكاية أخرى مع الموت الممزوج بإرادة الحياة والإصرار على المقاومة.

محمد عمران-غزة

لم تحتمل أم محمد اللوح (57 عاما) مشاهدة جثامين أبنائها وأحفادها الثمانية لتجثو على ركبتيها باكية وهي تلقي نظرة الوداع الأخيرة على الشهداء قبل الصلاة عليهم بمسجد الفرقان في دير البلح وسط قطاع غزة.

وبينما كانت تكشف عن وجوه الشهداء وتقبلهم واحدا تلو الآخر صرخت صرخة مدوية هزت المكان، ثم اقتربت من وجوه أحفادها الثلاثة وقد تمزق بعضها، بينما ظلت تحتضن جثمان الجنين الذي توفي بعد لحظات من ولادته إثر استشهاد أمه، ليتواصل صراخها مع بعض قريباتها.

وتتساءل أم محمد التي كتب الله لها النجاة من المذبحة "لماذا قتلوهم؟ ما الذنب الذي اقترفوه حتى يغادروا الدنيا تحت الركام؟ هل يملك جنود جيش الاحتلال تفويضا في عقيدتهم لقتل الفلسطينيين؟".

ورغم أن الأم المكلومة تقول للجزيرة نت إنها تعرف إجابة هذه الأسئلة وغيرها بوضوح، وهي تتعلق بكراهية الفلسطينيين المتأصلة لدى الصهاينة، لكنها تعتبر أن هول الجريمة تجبرها -كغيرها من أمهات الشهداء- على تكرار الأسئلة ذاتها في كل مذبحة يقترفها الاحتلال، كما تقول.
أم محمد اللوح ودعت ثمانية من أفراد عائلتها تمنى أكبرهم الشهادة (الجزيرة نت)

طلب الشهادة فنالها
وتستذكر كلمات ابنها محمد قبل ساعات من استشهاده، إذ اعتاد على تكرار طلب الشهادة، حيث مازح والدته قائلا إنه سينام هذه الليلة داخل المنزل وليس بالساحة الخارجية كما في أيام سابقة، ففعلها محمد ونال ما تمنى، حسب ما تقول.

ويصف زوجها الستيني مصطفى اللوح ما حدث مع أولاده وأحفاده بالمجزرة التي تعكس الأسلوب "النازي" لجيش الاحتلال في قتل الفلسطينيين دون مراعاة لحياة المدنيين والأطفال.

واعتبر أن تناثر أجساد الضحايا على بعد عشرات الأمتار من المنزل المقصوف يتجاوز فكرة استهداف المقاومين بصورة كبيرة.

وفي الوقت الذي يستبعد فيه اللوح نجاح محاولات الاحتلال في حرمان المقاومة من حاضنتها الشعبية عبر الانتقام من المدنيين، يؤكد للجزيرة نت ضرورة توثيق مذبحة عائلته وبقية المجازر المشابهة، لتبقى أدلة إدانة لمحاكمة قادة الاحتلال إن لم يكن في المرحلة الحالية فمتى أتيحت الفرصة لذلك.

وتعكس رواية شقيق الشهداء مؤمن اللوح للحظة القصف هول المذبحة التي نجا منها بأعجوبة، كونه كان ينام بجهة معاكسة على بعد عدة أمتار من موقع القصف المباشر، لكنه مع ذلك ما زال يستشعر أنه في مرحلة الموت وليس على قيد الحياة.

مؤمن.. شاهد الموت أثناء القصف وتحت الركام قبل أن تكتب له الحياة (الجزيرة نت)

شاهد على الموت
ويقول -وهو يرقد على سرير الشفاء بمستشفى شهداء الأقصى بدير البلح- للجزيرة نت أنه شعر بجسمه يرتفع قبل أن يهوي على الأرض ليتراكم فوقه حطام المنزل، بينما الدخان يغطي المكان، ولم يشعر عندها إلا بقرب الأجل.

ويتحدث مؤمن بصعوبة عن بقائه لنحو ساعة تحت الركام ينادي بما تبقى من صوته، أملا في انتشاله قبل فوات الأوان، حتى سمعه أحد أقاربه ونجح مع العشرات في رفع بعض من ركام المنزل عن الأجزاء السفلية من جسده.

وما زالت مشاهد الموت ورائحة احتراق بعض جثامين الشهداء تسيطر على مخيلة مؤمن الذي يقطع حديثه للجزيرة نت من حين إلى آخر للبكاء بصمت.

بيد أن بكائه لا يتعلق بحزنه على فراق الشهداء أو الآلام التي يشعر بها جراء إصابته بكسور عديدة فحسب، لكنه يخشى كذلك من تكرار ما حدث لعائلته مع عائلات أخرى، متمنيا انتهاء الحرب قبل حصدها المزيد من أرواح الأبرياء.

المصدر : الجزيرة