عام 2002 حاصر جيش الاحتلال الإسرائيلي مقاومين فلسطينيين في كنيسة المهد، واشترط لفك الحصار إبعاد 26 منهم لسنتين لغزة أو أوروبا، إلا أن السنتين تجاوزتا العقد، واليوم تمكنت عائلة أحدهم من الخروج من غزة المحاصرة عائدين لمدينتهم بيت لحم.

ميرفت صادق-بيت لحم

لأول مرة منذ 12 عاما، تمكنت عائلة فهمي كنعان من الوصول إلى مدينة بيت لحم في الضفة الغربية بعد ثلاث محاولات متعبة للخروج من غزة عبر معبر رفح الحدودي مع مصر.

ووصلت الزوجة عواطف كنعان وأبناؤها الستة -منهم أربعة ولدوا في غزة- بعد إبعاد والدهم الذي حوصر أربعين يوما مع عشرات المقاومين الفلسطينيين في كنيسة المهد ببيت لحم إثر اجتياح الجيش الإسرائيلي المدينة في مارس/آذار 2002 واشترط لفك حصارهم إبعادهم إلى غزة وأوروبا.

وتروي أم محمد كنعان معاناة كبيرة عايشتها مع أبنائها خلال محاولات الخروج من غزة تحت القصف الإسرائيلي وعبر معبر رفح المصري قبل نحو أسبوعين.

تقول إنها قررت السفر بأبنائها عبر معبر رفح مرورا بمصر ومنها إلى الأردن وصولا إلى الضفة الغربية بعد بداية العطلة المدرسية في نهاية مايو/أيار لاستصدار بطاقات هوية وشهادات، وكي يتعرف الأبناء على أجدادهم وأقاربهم.

تقول "أم محمد" حاولنا السفر عبر حاجز إيرز الذي يصل القطاع بالضفة لكن فشلنا، ودخلنا في أجواء الحرب بمعاناة مضاعفة، حيث عائلات المبعدين تعيش تحت تهديد حقيقي تخوفا من استهدافهم".

وتعيش عائلة كنعان في منطقة تل الهوى غرب مدينة غزة، وحسب الزوجة دمر القصف الإسرائيلي في الجوار مسجدين ومدرسة خاصة.

كنعان (ثاني يسار) كان من المفترض أن ينتهي إبعاده عام 2004 (الجزيرة)

ثلاث حروب
وتضيف "عشنا ثلاثة حروب في غزة، لكن الأخيرة كانت الأصعب، فكل شيء مستهدف، والدمار في كل مكان، بيتنا يهتز دائما، وأطفالي في حالة رعب دائمة".

وعندما أعلنت الهدنة الأولى لمدة 24 ساعة قبيل يومين من عيد الفطر، قرر فهمي كنعان المخاطرة بنفسه والخروج لإيصال عائلته إلى معبر رفح، لكن المحاولة الأولى التي استغرقت ست ساعات انتظار في وضع أمني صعب فشلت بسبب السماح بسفر حملة الجوازات الأجنبية فقط.

وأعادوا المحاولة في اليوم الثاني، لكن السلطات المصرية وبعد انتظار ساعات طويلة قررت إغلاق المعبر أمامهم أيضا.

بعد ذلك بأسبوع، وافقت الفصائل الفلسطينية على تهدئة لمدة 72 ساعة وسمحت السلطات المصرية خلالها بسفر حاملي التأشيرات لدول أخرى، فسمح للعائلة بالمرور بشرط الترحيل مباشرة إلى مطار القاهرة. وهذا يعني الانتظار لتجميع كافة المسافرين في ذلك اليوم ونقلهم معا، واستغرق ذلك الانتظار من الساعة الخامسة فجرا وحتى الخامسة مساءً.

وتذكر عواطف كيف اضطر أطفالها للنوم على أرضيات المعبر، كما فعل المئات من المرضى وكبار السن في ظروف غير إنسانية.

وفي وقت لاحق، واجهت العائلة والمسافرون ضمن القافلة اشتباكات بين الجيش المصري وجماعات مسلحة في سيناء، فتقرر إعادتهم إلى معبر رفح والمبيت لليوم التالي، بشكل غير متوافق مع موعد إقلاع طائرتهم في القاهرة، مما استغرقهم يوم آخر في السفر حتى وصلوا بيت لحم عبر الأردن.

المبعدون ينفذون اعتصامات مستمرة للمطالبة بإعادتهم إلى بيت لحم (الجزيرة)

مطلوبون للاحتلال
تقول أم محمد إن عائلات المبعدين عامة يشعرون بخطر حقيقي في غزة، كونهم أُبعدوا من الضفة وهم مطلوبون للاحتلال، وأوضحت أنه "منذ بداية الحرب، أسأل زوجي باستمرار هل أنت مستهدف؟ هل نحن بأمان؟"

ومنذ عام 2004، الموعد المفترض لعودة 26 من مبعدي كنيسة المهد إلى غزة، لم يفوّت فهمي كنعان فرصة سياسية إلا وتوجه للقيادة الفلسطينية بمطلب إعادتهم إلى عائلاتهم في بيت لحم، وآخرها الرسالة التي أرسلها للوفد الفلسطيني في مفاوضات التهدئة بالقاهرة.

يقول كنعان للجزيرة نت "نعيش عالقين منذ 12 عاما حيث خرجنا باتفاق يقضي بإبعادنا لمدة عام أو عامين فقط، وحتى الآن لا نعرف مصيرنا".

ويضيف "نحن مطلوبون للاحتلال، ونتحرك بحذر شديد دون معرفة أحد ودون استخدام هواتف خلوية، وكل ذلك بسبب تجاهل حقنا في العودة إلى بيت لحم".

ويتحدث كنعان عن معاناة 26 مبعدا فلسطينيا من بيت لحم، معظمهم تزوجوا وأنجبوا أطفالا في غزة ولا يتاح لهم التواصل بشكل طبيعي مع عائلاتهم في الضفة، حتى إن 15 شخصا منهم فقدوا خلال السنوات الماضية آباءهم وأمهاتهم دون السماح لهم بإلقاء نظرة الوداع عليهم أو المشاركة في جنازاتهم.

ويشتكي المبعدون من غياب الرعاية اللازمة من السلطة الفلسطينية أو الجهات المسؤولة، ويذكر كنعان كيف كلفته رحلة أبنائه إلى بيت لحم 3500 دولار اضطر لاستدانتها من أجل زيارة جدهم المسن والمريض في بيت لحم والذي لم يحظ برؤية أغلب أحفاده بسبب الإبعاد.

وحسب كنعان، فإن العائلة تكبدت معاناة شديدة بسبب منعها من السفر عبر حاجز إيرز حيث تبعد بيت لحم عن غزة أقل من 45 كيلومترا وبتكلفة لا تزيد على مائتي دولار.

ناشدنا السلطة لتنسيق العبور لكننا لم نجد استجابة، ولو أرادت السلطة مساعدتنا لسهلت استصدار تصاريح لأهالينا من أجل القدوم لزيارتنا في غزة، لكن ذلك لم يحدث

مناشدات
ويقول "ناشدنا السلطة لتنسيق العبور لكن لم نجد استجابة، لو أرادت السلطة مساعدتنا لسهلت استصدار تصاريح لأهالينا من أجل القدوم لزيارتنا في غزة، لكن ذلك لم يحدث".

ويبين كنعان الناطق باسم مبعدي كنيسة المهد "إعادتنا ليست صعبة، لكنه لا إرادة عند السلطة لتحريك ملفنا، طلبنا وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل ليوم واحد فقط للضغط من أجل عودة المبعدين ولكن لا حياة لمن تنادي".

وحسب كنعان، فإن اتفاق إبعادهم لم يطلع عليه أحد، ولم يترك المسؤولون عن إبرامه (القيادي في حركة فتح محمد دحلان ومستشار الرئيس ياسر عرفات في حينه محمد رشيد) ورقة رسمية بخصوصه.

وبسبب ذلك، لم تتوفر لدى المبعدين أية وثيقة يمكن من خلالها التوجه لمنظمات دولية من أجل إعادتهم إلى بيت لحم.

وكان فهمي كنعان في بداية الثلاثينيات من عمره عندما أبعد ولحقته زوجته وطفلاه محمد ونصر الله، لكنه اليوم في سن 44 عاما مع ستة أبناء وزوجة عالقين بدون مصير معروف، ومثلهم نحو 150 فردا، هم مجموع مبعدي كنيسة المهد وعائلاتهم في غزة.

المصدر : الجزيرة