ظهر تطور جديد في مسلكيات تنظيم القاعدة باليمن وهو السطو على البنوك ومصادرة أموالها. ويبرر التنظيم ذلك بأن الأموال أساسا للمسلمين عامة وليست للحكومة. واختلفت أراء المحللين في ذلك بين من يصفه سقوطا أخلاقيا، ومن يراه مظهرا من مظاهر الحرب.


سمير حسن-عدن

تشير دلائل إلى أن تنظيم "أنصار الشريعة" فرع "القاعدة في اليمن" يعاني ضائقة مالية كبيرة، يفسرها تصاعد وتيرة العمليات التي يقوم بها التنظيم في الآونة الأخيرة بمهاجمة المصارف بهدف الاستيلاء على الأموال، وذلك أثناء حربه مع قوات الجيش والأمن اليمني في محافظة حضرموت التي أصبحت معقل "القاعدة".

فقد عَمدَ مسلحو القاعدة في نهاية مايو/أيار الماضي إلى اقتحام ونهب عدد من المصارف والمؤسسات المالية التابعة للحكومة في مدينة سيئون، كما شملت عمليات النهب الواسعة مصارف في مديرية القطن في السابع من الشهر الجاري بعد هجوم شنه عناصر القاعدة على المدينة.

ويبرر التنظيم تلك الهجمات على المصارف بأن أرصدة المصارف اليمنية هي أموال المسلمين، ويجب أن ترد إليهم، ويعاد توزيعها على المواطنين، باعتبارها أموالا تتبع نظام صنعاء، الحليف للولايات المتحدة، وشريكها في الحرب على القاعدة وفق ما أعلنه التنظيم عبر "تويتر".

رقابة مشددة
ويعكس هذا التحول -بحسب مراقبين ومحللين- التحدي الذي يواجه تنظيم القاعدة في الحصول على التمويل اللازم لتنفيذ عملياته، بعد فرض العديد من دول العالم رقابة مشددة على الحوالات المالية وحركة الأموال، وحظر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2140 على الأفراد والجماعات والدول منح التنظيمات الإرهابية أموالا لإطلاق رهائن.

محمد حلبوب قلل من خطر التداعيات الاقتصادية للسطو على المصارف (الجزيرة نت)
ويرى الباحث بشؤون تنظيم القاعدة سعيد عبيد الجمحي في اتباع التنظيم أسلوب السطو على المصارف بأنه مؤشر على نقص السيولة اللازمة لتغطية تكاليف مواجهاته مع الجيش اليمني.

وقال في حديث للجزيرة نت إن تبرير التنظيم بالقول إنه يعطي بعض هذه الأموال للفقراء هي محاولة للتغطية ويبدو أنه بذاته غير مقتنع بها كونه لم يتطرق في بيانه بشأن هجوم سيئون إلى نهب المصارف "وكأنه كان حينها لا يزال يبحث عن مبرر لم يتبين له كيف يقدمه للآخرين".

واعتبر المتحدث أن تلك الهجمات تعد مأخذا أخلاقيا وقع فيه التنظيم وسيحسب عليه، كما أنها مؤشر على عدم وجود مرجعية دينية حقيقية تأخذ بيد التنظيم وتحول دون الوقوع في المحظور الشرعي.

وأضاف "من شأن هذه العمليات أن تؤثر سلباً على شعبية القاعدة في اليمن خصوصاً بعد أن ظهر التنظيم مؤخراً وكأنه يسير على نفس خطى تنظيم الدولة الإسلامية من خلال عمليات النهب والمذبحة التي نفذها بحق 14 جندياً في حضرموت على خلفيةٍ مذهبية".

شؤون أمنية
غير أن الصحفي والباحث في شؤون القاعدة عبد الرزاق الجمل استبعد من جهته وجود ضائقة مالية لدى التنظيم، وأشار إلى أن التنظيم كان قد تحدث عن القيام بتوزيع ما أخذه من المصارف على أهالي المدن التي توجد فيها البنوك المقتحمة.

وقال الجمل في حديث للجزيرة نت إنه "من غير الممكن لأحد معرفة ما إذا كان التنظيم يمر بضائقة مالية أم لا؟ لأن ذلك من أموره الأمنية، تماما كما لا يمكن لأحد معرفة مصادر تمويله، للسبب ذاته".

وأضاف بشأن ما أعلنه أنصار الشريعة عبر "تويتر" أن التنظيم نفى أن يكون عناصره قد نهبوا مصارف، و"قالوا إنهم اقتحموها ووزعوا الأموال التي فيها على أهالي القطن، وقالوا إنهم كانوا ينوون تكرار الأمر ذاته في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، لكن ظروفاً ما حالت دون اقتحامهم للمصرف".

وتعزز هجمات جماعة أنصار الشريعة التابعة لتنظيم القاعدة -خلال الأشهر الماضية على عدد من المصارف والمؤسسات المالية الحكومية والخاصة في حضرموت- مخاوف أرباب المصارف من احتمالات تكرار هذا السيناريو في محافظات يمنية أخرى.

عبد الرزاق الجمل استبعد أن يمر تنظيم القاعدة في اليمن بضائقة مالية (الجزيرة نت) 

تداعيات اقتصادية
ويري صالح المحضار -نائب مدير فرع بنك التضامن الإسلامي في محافظة شبوة- أن وقوع القطاع المصرفي باليمن في دائرة الهجمات المباشرة للجماعات المسلحة، من شأنه أن يزعزع ثقة المواطن بالمصارف سواء الحكومية أو الأهلية.

وقال -في حديث للجزيرة نت- إن هذه الحوادث الأمنية بشكل عام كان لها تأثيرات سلبية كبيرة على القطاع المصرفي الذي شهد خلال هذا العام حالة ركود غير مسبوقة جراء تراجع إقبال المواطنين على التعامل المصرفي إلى أكثر من النصف مقارنة بالعام الماضي.

وفي حين حذر الخبير المصرفي صالح المحضار من تداعيات خطيرة قد تسببها عمليات السطو المسلح على المصارف, قلل الخبير الاقتصادي أستاذ الاستثمار والتمويل بجامعة عدن محمد حسين حلبوب من خطورة هذه العمليات على الأوضاع الاقتصادية في البلاد بشكل عام.

وقال -في حديث للجزيرة نت- إن تداعيات تلك الأحداث واحتمال تأثيراتها السلبية ستقتصر فقط على المصارف التي تم نهب أموالها فقط دون وجود أي خوف على أموال المودعين، وأكد أن المصرف المركزي اليمني يضمن حماية أصول وممتلكات البنوك ولا سيما أموال المودعين.

وأضاف "المبالغ التي تم نهبها رغم عدم الإعلان عن مقدارها ليست بالمبالغ الكبيرة كون العادة جرت في الغالب أن المبالغ التي تكون في الخزنة ليست كبيرة أو يجب ألا تكون كذلك".

المصدر : الجزيرة