على الرغم من أن الحرب على غزة قد وضعت أوزارها مؤقتا، فإن الموت لا زال يلاحق الغزيين مع وجود الآلاف من القذائق والصواريخ التي لم تنفجر، ليخيم الموت مجددا على أحياء وبيوت غزة، حتى في فترات التهدئة والهدنة.

محمد عمران-غزة

تروي وفاء الدالي بحسرة وحزن شديدين، اللحظات الأخيرة لزوجها مازن الدالي (36 عاما) قبل استشهاده بانفجار قذيفة من مخلفات الحرب في جسده، خلال محاولته نقلها إلى خارج ساحة منزله، خشية انفجارها بين أبنائه السبعة.

ورغم محاولاتها المتكررة لثنيه عن القيام بذلك انتظارا لوصول الطواقم المتخصصة في وزارة الداخلية، فإنه ظل مصرا على رفعها من المكان، حتى يتمكن أبناؤه من اللعب بأمان، فما هي إلا لحظات معدودة، حتى انفجرت القذيفة محولة جسده إلى أشلاء ممزقة.

تقول الزوجة المكلومة للجزيرة نت، إنها عندما شاهدت أشلاء جسد زوجها تتناثر وتسيل منها الدماء، صرخت بأعلى صوتها، ليصل أشقاء زوجها إلى المكان.

وتروي كيف حُمل الشهيد بسيارة الإسعاف وقد فارق الحياة، لتبدأ هي مرحلة جديدة من حياتها، بعد أن اكتسبت لقب "أرملة" وتحول أبناؤها إلى "أيتام".

الدالي شاهدت أشلاء زوجها تتناثر أمامها وهو يحاول نقل قذيفة لم تنفجر (الجزيرة نت)

عودة إلى الموت
وتضيف وهي تحتضن صغارها، أنها هربت من منزلها خلال الحرب خشية القصف والموت، لكنها مع بدء التهدئة عادت مع عائلتها مرة أخرى، ولم تكن تعلم أن نجاتها في المرة الأولى، لا يعني نجاة زوجها عند العودة.

وبينما تعتبر وفاء (34 عاما) أن مخلفات الحرب لا تقل خطورة عن القصف الإسرائيلي ذاته، تدعو إلى العمل بشكل أكبر وأوسع لحماية الناس من الموت الذي ينتظرهم عند عودتهم إلى منازلهم ومناطقهم التي نزحوا منها خلال أيام الحرب.

وكان خمسة استشهدوا الأسبوع الماضي بينهم صحفيان أحدهم فلسطيني والآخر إيطالي، جراء انفجار صاروخ من مخلفات الحرب، خلال محاولة وحدة هندسة المتفجرات تفكيكه في بيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وتشكل مخلفات العدوان الإسرائيلي مشكلة كبيرة في القطاع، خصوصا تلك الصواريخ والقذائف التي لم تنفجر، وما تزال بين المنازل والأراضي الزراعية والشوارع، في ظل ضعف الإمكانات والخبرات المتوفرة لدى الجهات المتخصصة للتعامل معها بالطرق والأساليب المعمول بها عالميا.

ودفع هذا الوضع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة "أوتشا"، إلى التحذير من آلاف قذائف مخلفات الحرب، بالإضافة إلى المتفجرات التي تركت في المناطق المدنية المتأثرة من النزاع.

ويشير المكتب في تقرير -حصلت الجزيرة نت على نسخة منه- أن مخلفات الحرب "تشكل تهديدا كبيرا خاصة للأطفال والمزارعين وعمال الإغاثة والنازحين داخليا".

وتعكس طبيعة وأعداد الصواريخ والقذائف التي نجحت الطواقم المعنية في التعامل معها في خان يونس جنوب القطاع، نموذجا للمخاطر التي تحدق بالفلسطينيين في قطاع غزة.

الأسطل: طواقمنا تعمل في غياب المعدات ومتطلبات الحماية الشخصية (الجزيرة نت)

غياب الوعي
يقول مدير وحدة هندسة المتفجرات في شرطة مدينة غزة محمد الأسطل، إن مشكلة هذه المخلفات تتفاقم بغياب الوعي لدى عامة الناس حول خطورة العبث بمخلفات الحرب أو الاحتفاظ بها.

ويقول إن وحدته تعاملت مع 1400 قطعة من مخلفات العدوان الإسرائيلي، معظمها يشكل خطورة كبيرة على حياة الناس.

مضيفا أن طواقمه تعمل بأجسادها في ظل غياب أبسط متطلبات الحماية الشخصية، كالدروع والخوذات ونحوها، أو أدوات تفكيك الصواريخ والقذائف والقنابل.

واستعرض الضابط الفلسطيني أمام الجزيرة نت عشرات أصناف القذائف وأنواع القنابل والصواريخ التي أطلقها جيش الاحتلال من مقاتلات حربية وبوارج بحرية ودبابات أو مرابض إطلاق صواريخ على الأرض.

وبينما جدد الأسطل دعوته لسكان القطاع بعدم الاقتراب من مخلفات الحرب وإبلاغ الجهات المختصة عنها، يؤكد أن طبيعة وحجم مخلفات الحرب التي عثر عليها، تستخدم فقط في حروب بين جيوش نظامية، وليس ضد مدنيين عزل كما هو الحال في غزة.

ومن بين الصواريخ التي وثقتها عدسة الجزيرة نت، قنابل تسمى نظام السجادة، وهي تطلق قوة نارية ما بين ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف درجة مئوية، وجهت للمنازل والأشخاص كجزء من أسلوب الأرض المحروقة.

إضافة إلى قذائف من عيار 155 ملم، وقذائف هاون 120 ملم، إضافة إلى قذائف مضادة للدروع أتش إي، وصواريخ استطلاع وألغام أرضية.

أما صاروخ أم كا 84، فيطلق من مقاتلات حربية، علاوة على الصواريخ الموجهة، والبراميل المتفجرة وقنابل الإضاءة وغيرها.

المصدر : الجزيرة