مشاعر النصر والفخر وقيم الاحتساب والصبر، تغطي آلام الفقد واليتم والترمل في بيوت غزة التي استشهد الكثير من معيليها بالعدوان الإسرائيلي, ورغم تجرعها مرارة الفراق تؤكد العوائل اعتزازها بالمقاومة وتضحياتها وبطولاتها.

أيمن الجرجاوي-غزة

مازالت الفلسطينية سما صمامة (خمس سنوات) تُخبّئ نظارة والدها ناصر الذي استشهد بقصف إسرائيلي على حي الزيتون شرق مدينة غزة خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع.

الطفلة التي منعها صغرها من إدراك أبدية الفراق، تقول لوالدتها إنها تحتفظ بالنظارة في مكان بعيد عن أي قصف لتعيدها لوالدها عند عودته إلى البيت.

أما شقيقها خالد، فكان ينتظر بفارغ الصبر نجاحه في الثانوية العامة بعد عامين من المحاولة ليدخل السرور على قلب والده الذي استشهد قبل إعلان النتائج بأيام قليلة.

القذائف الإسرائيلية
يتحلق أبناء الشهيد ناصر حول زوجته سميرة في مجلسهم ببيت صغير استأجروه وسط غزة بعد تضرر منزلهم الواقع شرق حي الزيتون شرق المدينة جراء القذائف الإسرائيلية.

بنات ناصر ارتدين ملابس اشتراها لهن قبل استشهاده بيومين (الجزيرة)

البنات الصغيرات يتذكرن الملابس الجديدة التي اشتراها لهن والدهن قبل استشهاده بيومين.

أسرة الشهيد زوجة وتسعة أبناء (ولدان وسبع بنات) تعيش ظروفا اقتصادية صعبة. وتقول زوجته للجزيرة نت إن الفواكه والخضراوات لم تدخل بيتها منذ استشهاده.

تعيش العائلة منذ ذلك الحين على المعلبات فقط بعد أن فقدت معيلها الوحيد. وبالرغم من ظروفها الاقتصادية، تبدو الأم مصرّة على المضي في تعليم أبنائها كما كانت تخطط مع والدهم.

وتقول أرملة الشهيد إنها باتت تعتبر نفسها رب الأسرة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني الصبر وتحمل المسؤولية.

وتفتقد سميرة دور مؤسسات المرأة أو الطفولة وتقول "إن تلك المؤسسات لا تبحث عن المستحقين ولا تقدم العون سوى لمن يسعون إليها ويصارعون من أجل الحصول على المساعدات".

لحظات الفراق
تتذكر سميرة لحظات الفراق الصعبة يوم الجمعة 11 يوليو/تموز الماضي حين خرج زوجها إلى مسجد دار السلام، وأنهى ختم القرآن الكريم ثم جلس بعد صلاة العصر لحضور موعظة قصيرة.

دعاء: أشعر بالفخر الكبير لأن زوجي استشهد في سبيل حماية وطنه وأرضه

أثناء ذلك، قصفت طائرة إسرائيلية أرضا زراعية بجانب المسجد فتناثرت الشظايا داخله وأصيب خمسون مصليا بجروح مختلفة.

وتضيف سميرة أنها والأطفال هرعوا إلى المسجد للاطمئنان على ناصر فوجدوه مضرجا بدمائه وفشلوا في إسعافه، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة فتح عينه وقال لابنه خالد "اعتن بأمك وأخواتك".

ومع أن جرح سميرة وعائلتها لم يندمل بعد فإنها تؤكد دعمها للمقاومة الفلسطينية، وتعتبر أنها ثأرت لدم زوجها بعملياتها البطولية ورفعت رأس الشعب الفلسطيني ومعنوياته. وتضيف "نحن لا يمكن أن نعيش دون المقاومة".

ومثل بيت ناصر، تبدي عوائل الجرحى والشهداء تأييدا كبيرا للمقاومة الفلسطينية. وتصر دعاء على التمسك بنهج زوجها الشهيد عبد الله الميناوي الذي كان عضوًا بإحدى فصائل المقاومة.

وتقول للجزيرة نت إنها تشعر بفراغ كبير جدًا بعد فقد سندها الذي لم تمكث معه سوى عام ونصف العام تقريبًا، وأنجبت له الرضيعة "شهد" وتحمل منه جنينًا في أحشائها.

ومثل سميرة، تقول دعاء إن جمعيات المرأة لم تتواصل معها ولا تعلم عنها شيئًا لتضيف "لحسن حظي أهل زوجي الشهيد يعاملوني كابنتهم ولا أحتاج أحدًا".

وقبل أن تتزوج عبد الله، كانت دعاء تعلم أنه عضو بأحد فصائل المقاومة لكنها أصرت على الارتباط به رغم علمها بإمكانية استشهاده في أي لحظة.

وتختم حديثها بالقول إنها تشعر بالفخر الكبير لأن زوجها استشهد في سبيل حماية وطنه وأرضه.

المصدر : الجزيرة