قال معد تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الخاص بمجزرة فض اعتصام رابعة العدوية منتصف أغسطس/آب الماضي إن الحكومة المصرية كانت تعلم أنها مقبلة على ارتكاب جريمة وقد خططت لمحو آثارها، مؤكدا قيام الجيش بدور كبير في عملية الفض.

حاوره في لندن/محمد أمين

لا يزال التقرير الذي أعلنته منظمة "هيومن رايتس ووتش" مؤخرا بشأن مجزرة فض اعتصام مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي بميدان رابعة العدوية شرق العاصمة المصرية القاهرة يثير ردود أفعال حقوقية ودولية واسعة بعد أن وصف الواقعة بأنها "أبشع جريمة فض في العصر الحديث".

التقرير -الذي حال منع السلطات المصرية مسؤولي المؤسسة الدولية من دخول مصر دون إعلانه بالقاهرة- أوصى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة برفع القضية للمحكمة الجنائية الدولية بوصفها "جريمة ضد الإنسانية".

وقد أكد عمر شاكر -الباحث الذي أعد التقرير- للجزيرة نت التي التقته على هامش زيارته العاصمة البريطانية لندن وأجرت معه هذا الحوار أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم وقائد القوات الخاصة اللواء مدحت المنشاوي هم "أبرز الأسماء" الواردة بالتقرير الذي تضمّن أدلة على "مسؤوليتهم المباشرة" عن الجريمة.
وإلى نص الحوار:

 ما هو دورك في إعداد هذا التقرير؟
أنا المعد الرئيسي لهذا التقرير، وقد عملت عليه -خلال السنة الفائتة- مع نحو 15 باحثا وستة محررين، وقد استمعنا لشهادات أكثر من مائتي شاهد عيان من خلفيات مختلفة.

هل رتبتم لإعلان التقرير بالتزامن مع ذكرى رابعة؟
التقرير أخذ وقتا طويلا، لأنه يتعلق بواحدة من أكبر الجرائم ضد الإنسانية من حيث الإبادة والتعذيب والحرق، لذا فقد كان علينا الاستماع لشهادات كثيرة بشأن أن ما وقع منذ 5 يوليو/تموز 2013 حتى 15 من الشهر ذاته يمثل سلسة جرائم متعددة، وصدور التقرير بعد عام من الجريمة جاء بسبب فشل مصر في إجراء أي تحقيقات بشأنها رغم منحنا المحاكم المصرية والمجلس القومي لحقوق الإنسان وقتا كافيا، ولكن هذا الوقت لم تعقبه نتيجة واضحة ولا محاسبة، أضف إلى ذلك أننا استعنا بخبراء للتأكد مما إذا كان السلاح المستخدم في الفض حكوميا أم إنه سلاح مملوك للمتظاهرين كما تقول السلطات.

إلامَ وصلتم بشأن هذا السلاح؟

شاكر: المسؤولون خططوا لمحو آثار الجريمة ويتحسبون لمحاكمة دولية (الجزيرة نت)

الخبراء أكدوا أن القناصة كانوا مدربين ولهم مساعدون، وأنهم اعتلوا المباني الحكومية، ومنها مبانٍ تابعة لوزارة الدفاع بالمنطقة، ومن ثم فإن هذه المعطيات تثبت بوضوح أنهم قناصون محترفون، وهو ما يرجح انتماءهم للقوى الأمنية العسكرية الحكومية.
كيف وثقتم هذه الشهادات، وما الذي اعتمد عليه التقرير؟
كما سبق وذكرت فقد تحدثنا مع أكثر مائتي شاهد عيان من المتظاهرين وسكان المنطقة والأطباء الحكوميين والمتطوعين ومحامين وصحفيين، وكان فريق المنظمة موجودا في الأحداث كلها وشهد لحظة الفض، كما استعرضنا ساعات طويلة من الفيديوهات، وقرأنا واستمعنا لتصريحات وبيانات حكومية.

هل تواصلتم مع الحكومة المصرية بشكل مباشر؟
بعثنا رسائل لوزير الداخلية محمد إبراهيم ووزير الدفاع صدقي صبحي ولمسؤولين آخرين لمقابلتهم لكنهم لم يردوا لا على طلبات اللقاء ولا على أسئلة كثيرة، ومنها مثلا: لماذا لم تتم عملية الفض على مراحل؟ وقد أخبرناهم بموعد إصدار التقرير قبل شهر ثم أرسلنا لهم نسخة كاملة من التقرير قبل نشره بأسبوع، وعندما طلبنا من السفارة المصرية بواشنطن تسهيل مقابلة أشخاص بعينهم أخبرنا أحد موظفيها بأنه ليس ممكنا مقابلة مسؤولين بالحكومة، وأبلغنا أن علينا الحصول على تأشيرة دخول، رغم أننا نذهب لمصر منذ أكثر من عشرين عاما دون تأشيرات لأننا نحمل جوازات سفر أجنبية، لكن يبدو أنها كانت ذريعة لرفض المقابلة.

ما الذي أغضب السلطات المصرية إذاً؟
الواضح أنهم عندما خططوا لمجزرة رابعة كانوا يفكرون هل الفض سيؤثر في علاقاتهم بالعالم أم سيؤدي لمحاسبة أم لا؟ والحقيقة أنه لم يحدث شيء رغم مرور عام على الجريمة، لكنهم خائفون جدا من المحاسبة الدولية بدليل إصدارهم قانونا جديدا -عقب نشر التقرير- بشأن الجرائم ضد الإنسانية وإنشاء محكمة خاصة لمحاكمة المتورطين بها، وهذا يعني -في تقديري- أنهم يجهزون ردودا على أي مطالبة من قبل القضاء الدولي بإجراء محاكمة للمتهمين لأنهم سيطالبون وقتها بأن تُجرى المحاكمة داخل مصر وبقوانين مصرية، وهو ما يضمن لهم التهرب من المحاكمات الدولية. ودعني أقول لك إنهم كانوا يعلمون قبل الفض أنهم بصدد ارتكاب جريمة، ولذلك أخفوا الدلائل كالرصاص مثلا وأغلقوا الميدان لإخفاء مسرح الجريمة.

لماذا قلتم إن السيسي وإبراهيم والشناوي هم أبرز المسؤولين؟
عبد الفتاح السيسي كان نائبا لرئيس الوزراء لشؤون الأمن -أي إنه مسؤول عن الأمن- وقد قال في خطاب عقب الفض بأربعة أيام "قضينا أياما طويلة نفكر بالفض ونخطط له"، كما أنه كان وزيرا للدفاع وقائدا للجيش الذي أطلق النار على المواطنين في 5 و8 يوليو/تموز 2013 عقب عزل مرسي، وقد لعب الجيش دورا كبيرا في فض اعتصام رابعة.

أما محمد إبراهيم فقد أقر بنفسه بأنه "رتب دخول القوات"، وقال إنه "مسؤول عن الخطة"، وإنه أعطى أوامره "بتطهير الميدان"، أضف إلى ذلك مسؤولية الحكومة ومجلس الأمن الوطني لأنهما وافقا على الفض بهذه الطريقة، أما مدحت المنشاوي فهو قائد القوات الخاصة التي نفذت العملية، وهناك أسماء أخرى محددة من الداخلية والجيش، ولا ننسى هنا أن حازم الببلاوي الذي كان رئيسا للحكومة وقت الفض قال لصحيفة "المصري اليوم" مؤخرا إنه لو عاد به الوقت "لفعل ما فعل تماما في فض رابعة"، وعليه فإنه مطلوب للتحقيق هو الآخر.

ما هي خططكم المقبلة بشأن تفعيل توصيات التقرير؟
لقد طالبنا مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بفتح تحقيقات دولية وتجميع أدلة للمحكمة الجنائية الدولية لأننا بصدد جريمة ضد الإنسانية بصفة عامة وليس ضد المصريين فقط، ومن الضروري فتح قضايا في كل بلد بالعالم لمطاردة المسؤولين، ويمكن الوصول لمرحلة يمنع فيها الأشخاص المذكورون بالتقرير من السفر كعقوبات شخصية عليهم.

هناك اتهامات بأن التقرير مسيس ومنحاز لجماعة الإخوان؟
دعني أؤكد لك أننا منظمة مستقلة، لكن المشكلة الحقيقية خلال العام الأخير أن كل من ينتقد الحكومة يقال إنه مع الإخوان، وهذا ما حدث مع كتاب وصحفيين أجانب، وهنا أذكر بأننا كتبنا تقارير ووثقنا انتهاكات خلال فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، واتهمتنا حكومة الإخوان وقتها بأننا منحازون لليبراليين، المشكلة أن الحكومات تهاجم الأشخاص ولا ترد على فحوى التقارير.

كيف ترون حال الحقوق والحريات بمصر الآن؟
أزمة حقوق الإنسان خلال السنة الأخيرة تمثل أخطر أزمة في تاريخ مصر كله، وهذا ما وضحناه في تقاريرنا الأخيرة، فالأزمة ليست رابعة فقط لأن هناك اعتقالات وتعذيبا وانتهاكا لحرية التعبير وأحكاما بإعدام مئات الأشخاص، ومن ثم فمصر تعيش مرحلة سوداء جدا.

هل ستواصلون رصد حال الحريات في مصر رغم التضييق؟
تم إغلاق مكتبنا في فبراير/شباط الماضي لكننا سنواصل، فنحن ننظر لمصر على أنها أكبر بلد عربي والانتهاكات بها خطيرة جدا، سنتابع الأمور وسنقضي وقتا طويلا بمصر، والحكومة المصرية دعتنا في بيانها الذي أصدرته تعقيبا على التقرير لزيارة مصر، وسنقبل الدعوة إذا كانت قائمة.

المصدر : الجزيرة