لا تقتصر آثار العدوان الإسرائيلي على ما لحق بأطفال غزة من استشهاد وإصابات بالجملة، حيث يؤكد مختصون أن الأطفال المصابين بحاجة إلى علاج نفسي لتجنب آثار سلبية يمكن أن تلحق بهم مستقبلا.

أسيل جندي-القدس المحتلة

تتزايد أعداد الشهداء والجرحى في قطاع غزة، كعمر الأرض التي غمرت جثث الأطفال والنساء والشيوخ برمال حزينة. فحسب آخر إحصائية لوزارة الصحة حول العدوان، بلغ عدد الشهداء 1951 شهيدا، بينهم 469 طفلا، بينما بلغ عدد الجرحى 10193، بينهم 3084 طفلا.

في مستشفى جمعية المقاصد الخيرية بالقدس يرقد 49 جريحا غزيا بينهم 17 طفلا، لكل منهم رواية مؤلمة تكشف مدى وحشية العدوان، الذي أجمع أهالي القطاع على أنه الأعنف والأكثر دموية.

الطفل قصي النملة البالغ من العمر أربعة أشهر يرقد على سرير المرض وإلى جواره جدته عبير النملة التي روت للجزيرة نت تفاصيل رحلة الموت التي مرت بها العائلة، فبعد أن قرر أولادها وعائلاتهم الهروب من رفح بسبب القصف الشديد في آخر أيام الحرب، باغتتهم الطائرة بصاروخين، مما أدى إلى استشهاد والد قصي ووالدته ونجا وحيدا من الموت بعد أن نالت الحروق من جسده الصغير.

شريف وائل النملة بترت رجله وكذلك حدث لوالديه (الجزيرة نت)

إصابات مختلفة
وتضيف الجدة أن والدة قصي كانت تشعر بالخوف، ولذلك تنقلت بين منزل أهلها وزوجها عدة مرات خلال العدوان، لكن الاستشهاد كان مصيرها وهي تهرب من رفح مع زوجها الذي أصر على الخروج من المنزل خوفا على حياة طفله قصي.

ويمكث من عائلة النملة في مستشفى المقاصد حاليا ثلاثة أطفال وشاب كانوا جميعا ممن استهدفوا أثناء هروبهم من القصف الجوي والمدفعي في رفح، فبالإضافة إلى قصي الذي يعالج من حروق أصابته توجد شهد (عشر سنوات) مصابة بحروق بالغة في الوجه واليدين والأرجل، وشريف (ثلاث سنوات) بترت رجله اليسرى وفقد النظر بعينه اليمنى.

أما في الغرفة المجاورة، فترقد منة الله أبو ريدة (عام ونصف العام) التي استهدف الاحتلال منزلها بصاروخ، مما أدى إلى استشهاد والديها بينما أصيبت هي بشلل في الأطراف اليسرى من جسمها كما تعرض دماغها لتهتك في الخلايا.

ووسط هذا الواقع المؤلم يؤكد الاختصاصي الاجتماعي محمود عبد النبي للجزيرة نت أن أخطر ما في العدوان هو عدم معرفة الطفل ما يمكن أن يحدث له بعد لحظة، مما قد يعرضه لحالة تسمى "الانسحاب" وهي حالة نفسية قد تعيد الطفل إلى مراحل تطوره الأولى، كعودته للتبول اللاإرادي وعادة مص الإصبع أو الانزواء.

الطفلة الجريحة منة الله أبو ريدة استشهد والداها (الجزيرة نت)

آثار نفسية
ويضيف أن اللحظات التي يتعرض فيها الطفل لخطر الموت تبقى محفورة في ذاكرته مهما تقدم في السن، وإذا لم يُعالج بعد الحادثة مباشرة، من الأرجح أن تتطور المشكلة النفسية ليصاب الطفل بما يسمى "اضطراب ما بعد الصدمة" الذي ينعكس سلبيا على سلوكه ومدى انخراطه في المجتمع.

وأكد الأخصائي أن العدوان جاء ليفاقم الأزمات النفسية لأطفال غزة، خاصة أنهم يفتقدون أبسط مقومات الحياة، كما أنهم يعيشون حصارا منذ ثماني سنوات، وهذا بحد ذاته مشكلة تؤثر بشكل كبير على نفسية الطفل ومزاجه وسلوكه.

وحسب اتفاقية حقوق الطفل لعام 1990، فعلى الدول أن تأخذ بالاعتبار أن الطفل يحتاج إلى إجراءات وقاية ورعاية خاصة، بما في ذلك حماية قانونية مناسبة، مع ضرورة حماية النساء والأطفال أثناء الطوارئ والمنازعات المسلحة.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" أن نحو أربعمائة ألف طفل غزي أصيبوا بصدمات نفسية خلال الحرب، ويواجهون مستقبلا قاتما للغاية، على حد تعبيرها.

المصدر : الجزيرة