تصادَف الإفراج عن الأسير حسام حلّس مع نيران إسرائيلية مصبوبة على غزة. وعوضا عن الحلم بلقاء أهله في احتفال، عاش حلّس لحظات اغتراب وتيه وخوف على المعبر الشمالي لغزة، ومنعته نيران الاحتلال من دخول القطاع، فعاد تائها إلى رام الله.

 ميرفت صادق-رام الله

ظهر الخميس 31 يوليو/تموز وصل الأسير الغزي حسام حلّس بعد ست سنوات في سجن نفحة الإسرائيلي إلى حاجز إيريز شمال غزة في طريق العودة إلى عائلته بحي الشجاعية، لكنه لاقى ما لا يتوقع: القصف من أمامه، والعالم المغلق على بطاقة هويته من ورائه، فأين يمضي؟

تصادَف موعد الإفراج عن حلّس (26 عاما) مع نيران إسرائيلية مصبوبة على غزة، على بيته وبيوت أشقائه وجيرانه وكل ذكرياته، كما قال. وعوضا عن الحلم بلقائهم جميعا في احتفال، عاش حلّس لحظات اغتراب وتيه وخوف على المعبر الشمالي لغزة.

وقبل أيام استنجدت عائلته بالصليب الأحمر لتأمين دخوله سالما إلى قطاع غزة، لكن مسؤولا في المنظمة أخبرهم أنهم "غير قادرين حتى على تأمين انتشال جثامين الشهداء".

يقول حلس للجزيرة نت "أفرج عني الساعة 11 صباحا، وعندما وصلت في سيارة جيب عسكري إلى (إيريز) فوجئت بإغلاقه بالكامل بسبب اشتباكات مسلحة مع المقاومة في الموقع". ويضيف "كان الوضع في غاية الخطورة، وكنت أرى وأسمع المدفعية الإسرائيلية وهي تطلق قذائفها باتجاه مناطق القطاع". ويضيف "تُركت هناك في ساحة المعبر المفتوحة، وقالوا لي: اذهب إلى غزة".

القصف الإسرائيلي يمحو أحياء كاملة بشرق الشجاعية حيث بيت حسام حلس (الجزيرة نت)

توقعت الشهادة
يقول حلس "وجدت مياها، فتوضأت وصليت ثم جلست أسبّح، لأني توقعت الشهادة في أية لحظة". ولخمس ساعات، لم يتمكن حلس من دخول غزة، بينما كان يتصل بعائلته من أحد الهواتف، وكانت والدته ترجوه باكية "اذهب إلى أي مكان ولا تقترب من القصف هنا، لا أريد أن أخسرك".

بعد ساعات طويلة اقتنع الضابط الإسرائيلي المسؤول أنه من المستحيل لأي بشر الدخول سالما إلى غزة من هذا المكان بسبب تواصل الاشتباكات والقصف. ثم أبلغه بالموافقة على ترحيله إلى الضفة الغربية بعد اتصال بالجهات المختصة في السلطة الفلسطينية.

"إلى أين أذهب هناك؟ لا أعرف الضفة وليس لي أقارب هناك"، قال حسام. لكن الضابط أعطاه تصريحا صدر على عجل، وقال له غادر إلى الضفة. ليكتشف لاحقا أن التصريح باسم وصورة لشخص آخر.

يقول حسام "شعرت أن الدنيا أغلقت، لا سبيل أمامي للخروج، وكنت أرتدي لباسا أسود، وأنا الشخص المدني الوحيد في المكان وقد أتعرض للاستهداف في أية لحظة".

تدبر حلس أمره بعد أن فقد الفرصة للحصول على سيارة مستأجرة فلا أحد يجازف بالاقتراب من حدود غزة، أجرى اتصالا بصديق من منطقة الخليل، وكان أن جازف الأخير ووصل بصعوبة وخطورة بالغة.

كان ذلك في السادسة مساءً، انتقل حلس لينزل عند عائلة صديقه، ثم غادر ليستقر منذ 12 يوما في مدينة رام الله التي "لا أعرف فيها شيئا" كما قال.

حسب نادي الأسير الفلسطيني فإن 14 أسيرا من غزة فقدوا فردا أو أكثر من عائلاتهم خلال الأسابيع الثلاثة الأولى للعدوان، ومن بينهم الأسير تيسير بريعم الذي استشهدت عائلته في قصف منزلها بمدينة دير البلح. كما أن العشرات منهم فقدوا منازلهم وأصيب أفراد عائلاتهم أيضا

فقدوا عائلاتهم
ونقل حلس أخبارا مأساوية عن أسرى غزة الذين تركهم في سجن نفحة الصحراوي.

حسب نادي الأسير الفلسطيني فإن 14 أسيرا من غزة فقدوا فردا أو أكثر من عائلاتهم خلال الأسابيع الثلاثة الأولى للعدوان، ومن بينهم الأسير تيسير بريعم الذي استشهدت عائلته في قصف منزلها بمدينة دير البلح. كما أن العشرات منهم فقدوا منازلهم وأصيب أفراد عائلاتهم أيضا.

ويروي حسام حلس "استيقظنا قبل أيام على صوت صراخ، أحد الأسرى من عائلة الكفارنة شمال القطاع وقد سمع اسم شقيقه بين الشهداء" وكانت هذه صورة لما يعيشه أسرى القطاع منذ بداية العدوان.

وفي اليوم الأول حظرت إدارة السجن تلفزيون فلسطين وسبق أن منعت مشاهدة قناة الجزيرة أيضا، ولم يتبق إلا محطات الإذاعة المحلية التي تبث بشكل متواتر عن أماكن القصف وأسماء الشهداء، و"بهذه الطريقة كان يسمع الأسرى مآسي عائلاتهم". ومنذ بداية العدوان، أوقف الاحتلال زيارات أسرى غزة، كما عرقل لقاءاتهم بالمحامين، وخفض فترة "الفورة" خارج أقسامهم.

يقول حلس إن الأوضاع في سجن نفحة متوترة جدا بسبب الاحتقان في صفوف الأسرى، ونتيجة تكرار اقتحام قوات القمع للأقسام وتفتيش أغراضهم عدة مرات يوميا.

العائلة مشردة
لكنه يتذكر اليوم كيف انشغل وشقيقه الأسير هيثم ( بقي لحكمه 6 سنوات) في السنوات الماضية بمتابعة بناء منزليهما. لكن المنزلين وبيت العائلة قصفت جميعها في مجزرة الشجاعية الأولى، وبات الأب والأم وباقي الأشقاء لاجئين في خيمة بمحيط مستشفى الشفاء.

حسام حلس: أتذكر أشخاصا كُثرا أعرفهم استشهدوا، منهم جارتنا المسنة من عائلة الشمالي، كانت تحضنني وتلاطفني في طفولتي

ويوم مجزرة الشجاعية 20 يوليو/تموز الماضي، يقول "كنا ننظر إلى بعضنا وننتظر سماع أسماء عائلاتنا، لم ننم لأيام طويلة، كنا نسمع صوت بكاء الأسرى ممن فقدوا شهداء، وكان أسهل ألف مرة لو كنا هناك تحت القصف وأمام الموت".

وينشغل حسام هذه الأيام بتصفح ومتابعة أسماء وصور الشهداء، ثم يضيف "عندما أفكر بلحظة العودة الآن إلى غزة لا يخطر ببالي سوى صورة حي الشجاعية المدمر".

ويقول "أتذكر أشخاص كُثر أعرفهم استشهدوا .. منهم جارتنا المسنة من عائلة الشمالي، كانت تحضنني وتلاطفني في طفولتي".

المصدر : الجزيرة