خميس بن بريك-تونس

تؤكد منظمات دولية وتونسية استمرار ممارسة التعذيب في تونس حتى بعد سقوط النظام السابق، ويخشى حقوقيون من أن يدفع الإفلات من العقاب في ظل تعطل مسار المحاسبة إلى ارتكاب مزيد من انتهاكات حقوق الإنسان، في بلد كان يرزح لعقود تحت وطأة الاستبداد.

جمال بركات -هو أحد ضحايا التعذيب في النظام السابق- يقول للجزيرة نت إنه فقد الأمل في القضاء التونسي لاسترجاع حقه وحق شقيقه فيصل بركات الذي يؤكد أنه تعرض للتعذيب حتى الموت عام 1991، وذلك بسبب انتمائه لحركة النهضة الإسلامية عندما كانت محظورة.

ويقول جمال إنه كان شاهد عيان على تعذيب أخيه عندما كان معتقلا معه في أحد المراكز الأمنية بمحافظة نابل (شمالي البلاد)، راويا بنبرة حزينة كيف كان يسمع صراخه وهو تحت التعذيب طالبا الاستغاثة من هول التعذيب الذي استخدمه جلادوه قبل أن يفارق الحياة، وفق شهادته.

الحزن كان يغمر قلب جمال الذي بدا متأثرا عند سرده للأحداث، فهو يقول إن "وفاة شقيقه تحت التعذيب كانت ناتجة عن نزيف داخلي وكسر في حوضه بسبب إدخال عصا بدبره من قبل جلاديه الذين زوروا ملف وفاته على أساس أنه توفي بحادث مرور".

السلطات القضائية آنذاك رفضت الدعاوى التي تقدم بها جمال للكشف عن حقيقة مقتل أخيه تحت التعذيب، لكن الرجل لم يستسلم ولجأ للمحاكم الدولية وإلى لجنة مناهضة التعذيب الأممية، الشيء الذي مكنه من إعادة فتح ملف أخيه، لكن القضاء لم يبت فيه إلى الآن.

ويشير جمال إلى أنه تمكن عام 2013 من فتح قبر أخيه بحضور طبيب دولي وأطباء تونسيين للتثبت من ما إذا كان هناك كسر في حوضه. وبالفعل تبين وفق تقرير الأطباء أن وفاة أخيه فيصل بركات كانت ناتجة عن تعذيب شديد وليس نتيجة حادث مرور.

لكن المفارقة التي زادت من هموم جمال رغم كل الأدلة في ملف شقيقه هي أن جلاديه ما زالوا ينعمون بالحرية بعد الثورة، بل إنه علم بأن بعضهم نال ترقيات بوزارة الداخلية، وهو ما زاد من إحباطه تجاه محاسبة المسؤولين السابقين ووقف التعذيب.

 حليم المؤدب: ظاهرة الإفلات من العقاب مستمرة حتى بعد الثورة (الجزيرة نت)

غياب المحاسبة
يقول المستشار القانوني للمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب حليم المؤدب للجزيرة نت إن ظاهرة الإفلات من العقاب مستمرة حتى بعد الثورة، معتبرا أن غياب المحاسبة عزز من الثقة لدى البعض لمواصلة ارتكاب الانتهاكات "وهو ما يفسر استمرار التعذيب في تونس".

ويرى المؤدب أن التعذيب عقب الثورة لم يعد ممنهجا كما كان في السابق، لكنه يقول إن "كل المؤشرات تدل على أن التعذيب ما زال قائما وليس معزولا كما يقول بعض المسؤولين". وأكد أن عدم استبعاد الجلادين وترقية بعضهم أعطى الثقة للبعض بممارسة التعذيب.

من جانبه يقول رئيس فرع تونس لمنظمة العفو الدولية (أمنيستي) لطفي عزوز للجزيرة نت إن "هناك مؤشرات تؤكد عدم القطع مع الإرث القديم في انتهاك حقوق الإنسان"، مؤكدا وجود شكاوى من قبل بعض التونسيين بتعرضهم للتعذيب في مراكز أمنية ومراكز إيقاف وبعض السجون.

ويضيف أن المنظمة تلقت المئات من الشكاوى وأحالتها للسلطات "لكن إلى الآن لم يتم فتح مساءلة قضائية بحق المتهمين بارتكاب جرائم تعذيب سواء قبل الثورة أو بعدها"، واعتبر أن ذلك يعكس تعثر العدالة الانتقالية وعدم توفر الإرادة لمنع الإفلات من العقاب.

كما عبر عن مخاوفه من تكاثر حالات التعذيب في ظل الحرب التي تقودها السلطات على "الإرهاب"، قائلا "ربما مع وجود ظاهرة الإرهاب والهجمات المسلحة ضدّ الأمنيين، قد يندفع بعض الأمنيين بطريقة مباشرة وغير ممنهجة لارتكاب تجاوزات ضد المشتبه بهم".

جمال بركات أحد ضحايا التعذيب في
عهد النظام السابق (الجزيرة نت)

تعذيب متواصل
وكان المقرر الخاص للأمم المتحدة المكلف بملف التعذيب خوان مانديز أكد -في تصريحات له خلال زيارته لتونس بداية هذا الشهر- أن التعذيب ما زال متواصلا في تونس سواء في أماكن الاحتجاز أو خارجها.

ومن وجهة نظر رسمية يقر المستشار لدى وزير العدل وحقوق الإنسان عبد الحميد عبد الله للجزيرة نت أن الوزارة تلقت شكاوى من قبل مواطنين ادعوا تعرضهم للتعذيب بمراكز أمن ومراكز إيقاف.

لكنه يقول إن القضاء على عكس النظام السابق لم يعد يرفض الدعاوى المتعلقة بالتعذيب، وأكد أنه تم فتح تحقيق ضدّ أمنيين متهمين بارتكاب انتهاكات، مشددا على أن هناك إرادة لإصلاح المنظومة القضائية والأمنية والسجنية "لكن الأمر يحتاج لبعض الوقت".

المصدر : الجزيرة