فجر استشهاد الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير في القدس المحتلة هبة فلسطينية على مدى أيام في مختلف المناطق الفلسطينية بما فيها داخل الخط الأخضر، وهو ما أوحى لبعض المراقبين بإمكانية اندلاع انتفاضة ثالثة في فلسطين.

عوض الرجوب-الخليل

منذ استشهاد الفتى محمد أبو خضير حرقا وتعذيبا على أيدي المستوطنين في القدس فجر الأربعاء الماضي، شهدت المدينة مواجهات ليلية عنيفة مع الاحتلال بما يذكر بمشهد الانتفاضة الأولى من ملثمين وزجاجات حارقة وإطارات مشتعلة، وسرعان ما انتقلت إلى مدن وبلدات الضفة الغربية والمناطق داخل الخط الأخضر.

وفي قراءتهم لدلالات المشهد، قال محللون للجزيرة نت إن الشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده يعيش الظلم والقهر والإجراءات العنصرية من قبل الاحتلال، وفي المقابل لا يجد قيادة تحقق له الحد الأدنى من حقوقه وثوابته التي يناضل وناضل أسلافه من أجلها، ولذا يحاول أخذ زمازم المبادرة.

ورغم استبعاد كثيرين إمكانية استمرار المشهد لمدة طويلة، يؤكد مختصون أن توقف الهبة لا يعني طي الصفحة، وإنما إعادة فتحها في أقرب فرصة ومع أي جريمة يرتكبها الاحتلال.

لحظة استجابة
يقول السياسي وأحد قيادات الانتفاضتين الأولى والثانية بدران جابر إن "الجماهير استجابت للحظة الضغط النفسي بعيدا عن الساسة الذين قسموا الوطن ومكوناته".

ويرى أن القدس اشتعلت بعد أن ضاقت عليها الدنيا بما رحبت، في حين تفاعلت الضفة معها على أمل أن تزول المعوقات وتتبدل ثقافة التهاون والتنسيق الأمني، في ظل المواجهات الصاخبة ردا على جرائم الاحتلال.

 جابر يتهم القيادة الفلسطينية بإدارة ظهرها للشارع وتطلعاته (الجزيرة)

وأضاف أن "الهبة الواحدة في كل فلسطين تؤكد رفض محاولات اجتزاء الحلول وخيبات الأمل من أوسلو إلى طابا وما تلاهما"، مؤكدا أن "العدوان الغاشم أثبت بالدليل القاطع أن الصهيونية تتصرف بعداء مطلق للشعب الفلسطيني حيثما كان".

واعتبر جابر -وهو أيضا قيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- أن القيادة الفلسطينية السابقة (الرئيس الراحل ياسر عرفات) كانت أقدر على لملمة الخيوط وتجميعها، وأكثر مرونة وقربا من ثوابت الشعب الفلسطيني، متهما القيادة الحالية بأنها "أدارت الظهر للشارع فوجدت خيبة أمل من أي حلول ممكنة".

ووصف الهبة الأخيرة بأنها "عفوية" عكست الوحدة الفلسطينية، مرجحا أن تستمر بفضل عدة عوامل بينها بقايا الثوريين الذين عاشوا الانتفاضتين السابقتين ممن أعلنوا رفضهم المطلق لما آل إليه الحال ومستوى تجاوب القيادة مع الإملاءات الخارجية.

وذكر أيضا من العوامل المساعدة على استمرار الحالةُ الشعبية الرافضة للتعايش مع الاحتلال من جهة، وعدمُ الرضا الشعبي عن إجراءات الاحتلال والرد عليها من جهة ثانية.

ورجح القيادي الفلسطيني أن تفرز الهبة الحالية قيادة جديدة تتعاون مع الجيل القديم والكتل الصلبة التي قادت الانتفاضتين السابقتين.

من جهته يقول مدير تحرير صحيفة الأيام الفلسطينية عبد الناصر النجار إن هبة الفلسطينيين في القدس والداخل والضفة هي "نتاج الإجراءات الإسرائيلية العنصرية ضد الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده".

وأضاف أن الاحتلال حاول بممارساته طوال العقود الماضية فصل الضفة عن القدس وفرض ثقافته الإسرائيلية على المدينة المقدسة، لكن الانتفاضات المتعاقبة أفشلت كل هذه المحاولات ومساعي التهويد "التي صرف الاحتلال مبالغ طائلة لتحقيق الحد الأدنى منها".

وشدد على أن الحكومة اليمينية الإسرائيلية انتهجت طوال السنوات الأخيرة سياسة عنصرية تجاه المواطنين الفلسطينيين في الداخل وحرمتهم كثيرا من حقوقهم، مؤكدا أن كل المؤشرات تشير إلى أن "الوضع المتفجر والسيئ ولد الضغط وأحدث الانتفاضة التي ربما تكون في بدايتها".

 أبو السباع: التحريض على الحركة الإسلامية عجل بالهبة الفلسطينية (الجزيرة)

تراكم العنصرية
من جهته يتفق الباحث المختص في الشؤون الإسرائيلية هاني أبو السباع مع النجار في أن الهبة الشعبية الموحدة مردها إلى تراكمات من العنصرية الإسرائيلية والتحريض والظلم تجاه المواطنين العرب، لكنه أضاف أن "التحريض على الحركة الإسلامية في الداخل عجّل بهذه الهبة".

وأوضح أن الذين يتصدون للشرطة الإسرائيلية في القدس وبلدات الداخل هم من يتصدون لاقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى. لكنه مع ذلك "استبعد تطور الأمور إلى انتفاضة جديدة نظرا لغياب قيادة موحدة". ومع ذلك قال إن مضي الشرطة الإسرائيلية في استخدام القوة والعنف قد يساهم في تأجيج الوضع.

وفي الضفة الغربية، لم يستبعد أبو السباع لجوء المستوى الرسمي الفلسطيني إلى التصدي للمظاهرات، والانتشار على نقاط التماس لمنع التقدم باتجاه قوات الاحتلال.

ولم يستبعد سعي المستويات الأمنية والسياسية في إسرائيل لتطويق أحداث القدس والداخل تجنبا لردود فعل قد تكون قاسية، أو اللجوء للسلاح الذي يمكن الحصول عليه بسهولة، خاصة وأن فلسطينيي الداخل يعرفون كل مكان في إسرائيل "ويستطيعون ضرب الدولة في خاصرتها" كما ينقل عن محللين إسرائيليين.

المصدر : الجزيرة