رغم الألم الشديد الذي عم بلدة بيت أمر بفقدان الشهيدين عبد الحميد بريغيث وسلطان زعاقيق، فإن ذويهما يتمتعون بمعنويات عالية، ويرفضون الظهور بمظهر الضعف أو الانكسار، ويؤكدون أن دماء ابنيهما فداء لغزة.

عوض الرجوب-الخليل

كان الانشغال بالهم الوطني وبمآسي الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة أكبر عند الشابين عبد الحميد أحمد بريغيث (35 عاما) وسلطان زعاقيق (30 عاما) من الاستعداد لعيد الفطر، وهو ما دفعهما لتقديم أغلى ما يملك الإنسان وهي الروح رخيصة في سبيل الوطن.

وبشهادة ذويهما، شكل الشهيدان طوال حياتهما محركا أساسيا للمواجهات مع الاحتلال عند كل جريمة يرتكبها، فكانا يحشدان المتظاهرين في البلدة التي لم تتوقف فيها انتفاضة الحجارة منذ عام 1987، وسجلت العديد من الشهداء والجرحى والمعتقلين.

ويؤكد ذوو الشابين، وهما من بلدة بيت أمر شمال الخليل، واستشهدا في الـ26 من الشهر الجاري في هبة التضامن مع غزة، أنهما لم يباليا بقرب انتهاء شهر رمضان وحلول العيد، وفضلا المواجهة مع الاحتلال على متعة التسوق والاستعداد للعيد.

ورغم الألم الشديد الذي عم بلدة بيت أمر ومن حضر إلى بيتي عزاء الشهيدين، فإن ذويهما يتمتعون بمعنويات عالية، ويرفضون الظهور بمظهر الضعف أو الانكسار، نظرا لبشاعة الجرائم التي تتعرض لها غزة.

زوجة الشهيد عبد الحميد تؤكد أنه كان يشارك في الفعاليات المناهضة للاحتلال (الجزيرة)

قلق وهمّة
بشهادة والده وزوجته، سخّر الشهيد بريغيث جل وقته وجهده لتفعيل الحراك الشعبي ضد الاحتلال، خاصة في كل مرة تتعرض فيها غزة للقصف أو الحرب.

ويلفت والده الحاج أحمد إلى سجل نضالي قديم للعائلة، فجده وعمه استشهدا في مجمع عتصيون الاستيطاني في بدايات احتلال الضفة الغربية، بينما اعتقل هو وشقيقه عدة مرات خلال الانتفاضتين السابقتين.

ويضيف أن الشهيد لم يشغل باله كثيرا بالاستعداد لعيد الفطر، وآثر تفعيل الحراك الشبابي في مواجهة الاحتلال على الاستعداد للعيد، حتى نال الشهادة التي كان يتمناها.

من جهتها، تقول أرملة الشهيد إنه هب دفاعا عن غزة الجريحة، وقدم روحه دفاعا عنها، مضيفة أنها حزينة على فقدان رب الأسرة، لكن حزنها الأكبر هو على مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمشردين بسبب جرائم الاحتلال في غزة.

وتضيف أنها وزوجها ظلا طوال الفترة الماضية على تواصل مع أقاربهم ومعارفهم في غزة ويستمعون منهم إلى قصص المعاناة والآلام، فأثّر ذلك كثيرا في نفسية الشهيد، كما تأثر بشكل أكبر بسبب خذلان الأنظمة العربية.

وتقول إن الشهيد كان كثيرا ما يشارك في المهرجانات والفعاليات المناهضة للاحتلال، وعندما كان يسأله أحد عن العيد يقول: عيدنا عيد النصر، وبعدها يكون عندنا عيد.. لا عيد لنا وإخواننا في غزة يعانون.

وكما تدعو للشهيد، فإن الزوجة الصابرة تدعو لقطاع غزة بالصبر والنصر والتمكين، وتدعو الله أن يعينها على تربية أبنائها على حب الوطن والتضحية من أجله.

أما الطفل أحمد (ابن الشهيد) فلا يبدو حزينا، ولدى سؤاله عن السبب قال إن والده شهيد "والشهيد ما بنزعل عليه".

والدة الشهيد سلطان تتألم لفقدان ابنها لكن ألمها أكبر على سقوط مئات الشهداء (الجزيرة)

الفاتحة بدل الهدية
في مكان يبعد مئات الأمتار عن منزل عبد الحميد، جلس أقارب الشهيد زعاقيق يستقبلون المعزين في ثاني أيام العيد، بينما جلست والدته التي أعياها المرض على سريرها تستقبل المعزيات، أو المهنئات وهي التسمية التي يفضلها ذوو الشهداء لمن يحضرون لمواساتهم بفقدان أبنائهم.

وتستذكر أم سلطان لحظات بر ابنها بها، وسؤاله المتواصل عن صحتها وشراء الدواء لها، لكن سرعان ما تغلبها الدموع عندما تستذكر معاناة قطاع غزة وأشلاء الشهداء والبيوت المدمرة والقصف المتواصل.

وتضيف أنها تتألم لفقدان ابنها، لكن ألمها أكبر على سقوط مئات الشهداء، مشيرة إلى أن ابنتها متزوجة في غزة، وطالها التشريد وهي حامل مما تسبب لها في معاناة وخوف شديدين.

أما الطفل محمد (ابن الشهيد سلطان) فانتظر هدية العيد التي وعده بها والده، وزيارة العمات والمسبح، لكنه استشهد، وبدلا من ذلك استقبل مع أقاربه المعزين وذهب إلى المقبرة لقراءة الفاتحة على روحه.

المصدر : الجزيرة