وسط مشاهد القصف والدمار التي يخلفها العدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة تتجلى صورة نادرة يصعب على المرء أن يجدها إلا هناك، حيث تتجسد لحمة وطنية وإنسانية بين المسيحيين والمسلمين الذين لجؤوا إلى إحدى كنائس القطاع وأقاموا صلاتهم فيها.

أيمن الجرجاوي-غزة

لا يبدو مشهد كنيسة "القديس برفيريوس" مختلفًا عن مسجد "كاتب ولاية" توأمه في قطعة الأرض التي تتوسط أزقة حي الدرج الأثري وسط مدينة غزة ، فتكبيرات صلاة قيام الليل التي أداها المسلمون في شهر رمضان المبارك كانت تصدح من داخلها حيث اكتظ المسجد والكنيسة بالنازحين جراء العدوان الإسرائيلي.

وبمجرد دخول بوابة الكنيسة العتيقة، يصعب عليك التمييز بين شباب المسجد ورعية الكنيسة القائمين بشكل مشترك على توفير احتياجات عشرات العائلات التي التجأت إليها والمسجد هربًا من القصف الإسرائيلي على منازلهم شرقي حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وبلدة بيت حانون شمال القطاع. 

سلمى سدر مصرة على العودة إلى منزلها (الجزيرة)
علاقة متينة
وإحدى زوايا ساحة الكنيسة جلست السيدة سلمى سدر (60 عامًا) على كرسي بلاستيكي غارقة في التفكير بشأن ابنيها اللذين لجأ كل منهما إلى الاحتماء بمجمع الشفاء الطبي عله يسلم من القذائف الإسرائيلية.

وتقول سلمى إنها تشعر بالرضى عن المساعدات الغذائية التي تقدم لها داخل الكنيسة، غير أنها لا تعتبرها مكانًا أكثر أمنًا من أي منطقة بالقطاع بعد قصف الجيش الإسرائيلي مساجد متعددة خلال العدوان، فـ"لا أمان إلا عند الرحمن".

وتعود السيدة الفلسطينية بالذاكرة إلى نصف قرن مضت لتؤكد متانة العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في غزة حيث كانت أحب صديقاتها طالبة مسيحية بمدرستها و"كنا كالأختين وهنا لا فرق بين مسلم ومسيحي".

وأدمت قلبها مشاهد الدمار الذي لحق بمنزلها ومنطقتها عندما عادت إلى هناك مستغلة ساعات التهدئة الإنسانية التي توافقت عليها فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل السبت الماضي، لكنها برغم ذلك تؤكد إصرارها على الرجوع إلى هناك وإقامة خيمة على ركام منزلها والعيش هناك.

نازحون في غرف الكنيسة (الجزيرة)

عدوان ونزوح
وفي زاوية أخرى بساحة الكنيسة، يجلس سمير الزعانين (50 عامًا) وحوله نحو 35 من أبنائه وأحفاده اضطروا لترك بيوتهم في بيت حانون شمال قطاع غزة بفعل قصف المدفعية الإسرائيلية المكثف هناك.

وقبل أن ينزح الزعانين إلى الكنيسة مكث وعائلته أيامًا في مدرسة بيت حانون التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) لكنّ اكتظاظ المدرسة بالنازحين جعله يغير وجهته إلى الكنيسة، وقد أنجاه القدر من المجزرة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بالمدرسة، إذ قتلت القذائف هناك 17 فلسطينيًا وأصابت أكثر من مائتين طبقا لإحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية.

ويساور الشك كل من الزعانين وسدر من أن الكنيسة ليست مكانًا آمنًا كما غيرها من الأماكن في القطاع، لكنه يشيد بمعاملة رعية الكنيسة وخدماتهم التي يقدمونها للنازحين من المسلمين.

ويقول "أقمنا ليلة 27 رمضان في الكنيسة دون مضايقة من أحد، وكنا نصوم ونتسحر ونفطر ونؤدي جميع الشعائر الإسلامية هنا في الكنيسة من دون مضايقات. فهنا في غزة ترابط وتعايش جميل بين المسلمين والمسيحيين".

ويطوف بين النازحين شبان من مؤسسة "دياكونيا" الكنائسية لتقديم بعض احتياجات الأطفال والنساء المسلمين، لكن ممثلة المؤسسة في غزة حنين السماك تقول إن احتياجات النازحين "أكثر من طاقة الكنيسة والمؤسسة".

المطران ألكسيوس يستبعد قصف الكنيسة (الجزيرة)

الأبواب مفتوحة
ويبدو مطران غزة ألكسيوس- الذي يجلس بغرفة أعلى الكنيسة- سعيدًا بنزوح المسلمين لكنيسته، ويستبعد إقدام الجيش الإسرائيلي على قصفها رغم أن طائراته استهدفت مقبرة مجاورة لها قبل أيام ما سبب أضرارا مادية بالكنيسة.

وقال للجزيرة نت إن الكنيسة فتحت أبوابها للفلسطينيين دون تفرقة بين الأديان، حيث طلبوا الحماية والأمان من ضربات الجيش الإسرائيلي، ويؤكد أن القانون الدولي يحظر استهداف المساجد والكنائس أوقات الحروب كونها أماكن مقدسة.

ويضيف مطران غزة "علاقتنا مميزة جدًا مع المسلمين. نحن هنا كإخوة في عائلة واحدة دمنا واحد ووطنا واحد. ونصلي جميعًا من أجل انتهاء الحرب والسلام الكامل وتعمل لجنة مشتركة من المسجد والكنيسة على رعاية نحو ألفي شخص يمكثون فيهما ويدعم اللجنة مؤسسات إغاثية عالمية".

المصدر : الجزيرة