لا تقل حرقة الخمسيني أحمد المشوخي على مسجد الشابورة في رفح عن حرقة الحاج زنون. فهو يرى أن فقده أحد أبنائه أهون على نفسه من تدمير المسجد، لكن عزاءه "في مصيبته" هو إصرار السكان على الصلاة على أنقاض المسجد.

أحمد فياض-رفح

لم يتبق من مسجد الفاروق في حي الشابورة بمدينة رفح سوى مئذنته الشامخة شموخ أهل الحي الذين ظلوا يرتادونه حتى بعد أن أتت عليه الطائرات الحربية ودمرته على غرار خمسة مساجد أخرى في مناطق متفرقة من قطاع غزة.

وعلى أعتاب المسجد المدمر حضر المسن الثمانيني جميل زنون لأداء صلاة الظهر وقد غالبت دموعه كلماته عندما سألته الجزيرة نت عن ما حل بمسجد الحي الذي تعود على الصلاة فيه على مدار أكثر من نصف قرن.

وتساءل المسن بانفعال عن الذنب الذي اقترفه المسجد كي يجتث من الأرض، لافتا إلى أن تدمير كافة منازل الحي أهون على نفسه من تدمير المسجد، لأنه بيت لكل سكان الحي الذين يعتبرونه متنفسا رئيسيا ويحتضن أفراحهم وأتراحهم.

وأضاف أن ما لحق بالمسجد هو "ثمرة صمت حكام العرب والمسلمين على المجازر في قطاع غزة، وهو ما جرأ الاحتلال على المضي في غيه وتدمير المساجد".

المسن جميل زنون حضر للصلاة بالمسجد بعد تدميره وبيده مصحف ممزق (الجزيرة)

إصرار وتحد
ولا تقل حرقة المصلي الخمسيني أحمد المشوخي على المسجد عن حرقة الحاج زنون، فهو يرى أن فقده أحد أبنائه أهون على نفسه من تدمير المسجد، لكن عزاءه في مصيبته -على حد وصفه- هو إصرار السكان على الصلاة على أنقاض المسجد في تحد لجرائم الاحتلال ضد أماكن العبادة.

وتعكس مشاعر رواد مسجد الفاروق مدى تعلق سكان قطاع غزة بمساجدهم، ليس لكونها أماكن للعبادة فحسب، ولكن لأنه منطلق لتقديم العديد من الخدمات الأخرى المتعلقة بالتكافل ومساعدة المحتاجين وتوفير المياه الصالحة للشرب.

ويؤكد على هذا المعنى ما ذهب إليه إمام المسجد يوسف أبو عمرة بقوله "لقد أيقنت عندما لاحظت أن سكان الحي هرعوا بعد قصفه للصلاة بجواره على الأرض وبدؤوا بتنظيف أحد أركانه من الركام من أجل العودة للصلاة فيه، بأن مكانة المسجد لا تقل عن مكانة بيوتهم".

وأوضح إمام المسجد -في حديثه للجزيرة نت- أن تدمير المسجد أضر بشكل مباشر بكبار السن من المصلين والعجزة الذين لا يقوون على الصلاة في المساجد البعيدة عن الحي، مشيرا إلى أن سكان الحي لا يزالوا متشبثين بالمسجد لما له من مكانة دينية ووجدانية في نفوسهم.

سلمي المشوخي: الاحتلال يريد تدمير المساجد للتضييق على الناس مما يدفعهم لنبذ المقاومة والمقاومين (الجزيرة)

عمق العلاقة
أما مسؤول لجنة إعمار مسجد الفاروق سلمي المشوخي فأكد أن هناك من سكان الحي من لم يبكوا على استشهاد أبنائهم لكنهم بكوا على تدمير المسجد.

وأوضح أن سكان الحي بدؤوا ببناء المسجد في سنوات الخمسينيات من قوت أبنائهم ولم يتلقوا أي دعم من أي جهة أخرى، وكانت عمليات التوسعة تحصل كلما ضاق المسجد بأهله إلى أن بلغت مساحته 1300 متر مربع، وهو ما يفسر عمق علاقة الترابط بين أهل الحي بالمسجد.

وأوضح أن المسجد يعد منزلا لكل أبناء الحي، فهو بمثابة نقطة انطلاق للإصلاح بين الناس ولمشاركة سكان الحي في أفراحهم وأتراحهم، إذ إن شباب الحي يشهرون زواجهم بين جنباته، كما أن المسجد يمد سكان الحي بمياه الشرب المعالجة، فضلا عن وجود مكان لتحفيظ القرآن وعلومه.

ويرى أن الاحتلال يريد من تدمير المساجد التضييق على الناس بحيث تبقى صورة الدمار والخراب ترافقهم في جنبات حياتهم، مما يدفعهم لنبذ المقاومة والمقاومين.

ولعل ما أصاب مصلي مسجد الفارق في رفح هو نموذج يلف سكان أحياء أكثر من أربعين مسجدا أصابها القصف الإسرائيلي وألحق بها أضرارا متفاوتة، فيما لحق الدمار الكلي بستة منها وفقا لإحصاءات المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الذي يتخذ من جنيف مقرا له.

المصدر : الجزيرة