بينما يشيد سياسيون تونسيون بمشروع قانون الإرهاب، فإن حقوقيين يعبرون عن خشيتهم أن يكرر المشروع الانتهاكات التي تضمنها قانون 2003 الذي استخدمه النظام السابق لسحق المعارضة.

خميس بن بريك-تونس

أعربت أوساط سياسية وحقوقية في تونس عن تحفظاتها تجاه مشروع قانون الإرهاب خشية أن يكرّر نفس الانتهاكات التي تضمّنها قانون 2003 الذي استخدمه النظام السابق لسحق خصومه، وفق مصادر حقوقية.

وأحالت لجنتا التشريع العام والحريات والحقوق بالمجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) مشروع القانون، أمس الخميس، إلى مكتب المجلس لتحديد موعد للتصديق عليه بجلسة عامّة ليدخل بعدها حيز التنفيذ.

وتمّ التسريع في استكمال مناقشة مشروع القانون من قبل اللجنتين، في ظل ضغوطات كبيرة مارستها أوساط سياسية وأمنية عقب مقتل 15 جنديا بجبل الشعانبي (جنوب شرق) على يد مسلحين موصوفين بالتشدّد.

وحول ذلك، تقول رئيسة لجنة التشريع العام كلثوم بدر الدين للجزيرة نت إن البطء في مناقشة هذا القانون "ليس متعمّدا" وإنما كان راجعا إلى "التدقيق في هذا القانون الدسم حتى يكون ناجعا ومراعيا لحقوق الإنسان".

ويحتوي مشروع قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال على 136 فصلا تضمّنت تنقيحات للقانون القديم حتى لا يتعارض مع الدستور الجديد الذي أقرّت أغلب الأحزاب والجمعيات بأنه مكرّس لحقوق الإنسان.

رئيسة لجنة التشريع العام النائبة عن حركة النهضة كلثوم بدر الدين (الجزيرة نت)

خيار مقصود
وحول الانتقادات الموجهة للجان التأسيسي بأنها عجزت عن تعريف دقيق لمفهوم الإرهاب، تقول كلثوم بدر الدين (وهي أيضا نائبة عن حركة النهضة) إن غياب تعريف شامل للإرهاب بالقانون كان "خيارا مقصودا".

وتوضح أنّ مشروع قانون الإرهاب تضمّن تحديدا دقيقا وموسعا لكل ما يفترض أنها أعمال إرهابية حتى لا يبقى رهين تعريف ظرفي "يكون اليوم موسعا لكنه قد يصبح ضيقا مع تشعب جرائم الإرهاب وتطورها".

وتقول أيضا إن مشروع القانون تضمن تحسينات كثيرة عكس قانون 2003، مبينة أنه تخلّص من التعريف الفضفاض لمفهوم الإرهاب وعوضه بقائمة للأعمال الإرهابية بالرجوع للاتفاقيات الدولية المعنية بمكافحة الإرهاب.

من جهته، يؤكد النائب عن التيار الشعبي اليساري مراد العمدوني أنّ مشروع قانون الإرهاب تجاوز الخروقات الموجودة بالقانون القديم الذي كان يمكن أن يشمل عديد الأفعال التي لا تكون موصوفة بالأعمال الإرهابية.

ويقول العمدوني كذلك إنّ مشروع القانون الجديد فيه تحسن ملحوظ على مستوى التدقيق في الجرائم الإرهابية التي أصبحت محددة بدقة بناء على الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس حتى يستجيب لشروط المحاكمة العادلة.

النائب عن التيار الشعبي بالمجلس التأسيسي مراد العمدوني (الجزيرة نت)

مخاوف
لكن العمدوني أقرّ بوجود جدل كبير بالتأسيسي حول مسائل تتعلق بالتنصت على المكالمات وحول مدى احتفاظ المحامين بالسرّ المهني، وكذلك عدم تفعيل عقوبة الإعدام بجرائم القتل كما ينصص عليه القانون الجزائي.


ولا يقتصر هذا الجدل داخل أروقة التأسيسي، فقد أعربت منظمات حقوقية عن خشيتها من أن يكرر مشروع قانون الإرهاب الانتهاكات التي تضمنها قانون 2003 الذي استخدمه النظام السابق لسحق المعارضة.

وفي السياق، تقول رئيسة منظمة هيومن رايتس في تونس إنّه رغم التحسن الحاصل مقارنة بالقانون القديم فإنّ مشروع قانون الإرهاب لا زال يتضمن أحكاما مثيرة تبعث على القلق، وفق تعبيرها.


وأضافت آمنة قلالي للجزيرة نت أنّ بعض مواد القانون قد تفتح الباب أمام محاكمات سياسية بتهمة الإرهاب، وتمنح القضاة سلطة مفرطة في العمل بإجراءات استثنائية وتقيّد قدرة المحامي على الدفاع بطريقة فعالة.

وأشارت إلى أنّ مشروع القانون لا يضمن أيضا وجود رقابة قضائية كافية على تدخل الأجهزة الأمنية خلال التنصت في خصوصيات الأشخاص أثناء عمليات مكافحة الإرهاب، وهو ما يمثل اعتداء على الحقوق الأساسية.

غير أنّ رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء أحمد الرحموني يقول للجزيرة نت إن مشروع قانون الإرهاب تضمن مزايا كثيرة، مؤكدا أنه لا توجد فيه عيوب أساسية في مستوى القانون مقارنة بالتشريع السابق.

وأكد الرحموني أنّ القانون الجديد أقلّ صرامة من السابق لأنه يتجه نحو إقرار المعايير الدولية في مكافحة الإرهاب، مبرزا أنه يتجه لأول مرّة لجبر أضرار ضحايا الإرهاب وعدم تسليم أشخاص حوكموا بجرائم إرهابية إلى بلدان يتوقع أن يتعرضوا فيها إلى التعذيب.

المصدر : الجزيرة