تكتسب ليلة القدر رمزية وقدسية كبيرة لدى الجزائريين، الذين يعدون العدة مبكرا لإحيائها وتكريس عادات وتقاليد توارثوها أجيالا بعد أجيال، ويتنوع احتفالهم بها بين العبادة وعادات منها ختان الأطفال والتجمع لتناول طبق الكسكسي الشهي.

ياسين بودهان-الجزائر

على غرار أغلب العائلات الجزائرية أحيت عائلة مرواني بحي القصبة العريق في الجزائر العاصمة ليلة القدر بختان ابنها أيمن، ودعوة الأحباب للاجتماع على طبق الكسكسي الشهي، سيد أطباق المائدة الجزائرية في هذه الليلة المباركة.

ولأنها ليلة خير من ألف شهر أنزل فيها القرآن على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- فإن لها رمزية وقدسية كبيرة لدى الجزائريين، الذين يعدون العدة لإحيائها قبل حلولها بأيام عديدة، لتكريس عادات وتقاليد توارثتها أجيالا بعد أجيال.

وحتى وقت قريب، كان الأطفال يخرجون إلى الشوارع ليلا وينظرون إلى السماء، وينتظرون بشغف وحماس كبيرين متى تفتح أبواب السماء، لأنهم سمعوا عن آبائهم وأجدادهم روايات وقصصا على أن أبواب السماء ستفتح في هذه الليلة المباركة، وسيغدق فيها الله -عز وجل- على عباده الصائمين هداياه وفضائله، ولم يكن يعلم هؤلاء الأطفال أن الهدايا والعطايا الإلهية تمنح فعلا لمن صام إيمانا واحتسابا.

ومع انتشار الوعي الديني أكثر تلاشت هذه الظاهرة، وبدل أن ينتظر هؤلاء وبعض من آبائهم أن تفتح أبواب السماء، فإنهم يتجهون للمساجد لتلاوة القرآن وقيام الليل حتى مطلع الفجر.

طبق كسكسي بالرمان يعد سيد أطباق المائدة الجزائرية (الجزيرة)

طقوس خاصة
وفي هذه المناسبة يصوم بعض الأطفال لأول مرة في حياتهم، حيث تمارس طقوس خاصة، إذ يعد له مشروب خاص بالماء والسكر وتضاف له قطرات من ماء الزهر، ويوضع بداخله خاتم من الذهب والفضة.

وتمسكا بهدي الرسول الأكرم، قرر مرواني استغلال هذه المناسبة كغيره من الجزائريين لختان ابنه أيمن، في حفل دعي إليه الأهل والأحباب.

وتستغل العديد من الجمعيات الخيرية ليلة القدر لتنظيم حفلات ختان جماعية للعائلات المحرومة والمعوزة، مع تقديم ملابس وهدايا للأطفال لإدخال البهجة والسرور في نفوسهم يوم عيد الفطر.

ورغم تباين واختلاف العادات والتقاليد على مستوى مناطق الجزائر، يختلف الاحتفال بهذه الليلة في جزئيات صغيرة من حيث الأطباق التي تحضر لهذه المناسبة، فعلى مستوى العاصمة الجزائر والمناطق المحيطة بها تحضر مختلف الحلويات، مثل حلوى "البسيسة" التي تحضر بدقيق القمح والزبدة وتمزج بالعسل وتزين بعد ذلك بالجوز واللوز، وهذه الحلوى تعطي قوة تحمل أكثر، خاصة لمن يقوم الليل حتى الفجر، مع تحضير أطباق أخرى كالرشتة والكسكسي.

وفي الشرق تحرص النساء على تحضير "الشخشوخة" بمختلف أصنافها، وعلى مستوى مناطق الغرب تحضر الحريرة والكسكسي بالخضر.

ولا يمكن لهذه المناسبة أن تمر دون أن يكون للحناء موقع فيها، فهي رمز الفرح والسرور والاحتفاء بالمناسبات الدينية، لذلك تعمد النسوة إلى استعمال الحناء لأنفسهن، ولأولادهن بمختلف الأشكال والأنواع.

وفي العاصمة الجزائر يقول مرواني إن عائلته وبقية العائلات الجزائرية يجتمعون بعد صلاة التراويح على "البوقالات"، وهي تقليد عاصمي بامتياز عبارة عن لعبة تعتمد على الأمثال والحكم السعيدة، وتتفنن النساء في إعدادها وتوريثها جيلا بعد جيل.

ليلة القدر فرصة للجزائريين لتنظيم "نفقة" لصالح الفقراء والمساكين (الجزيرة)

أواصر التقارب
ولأنه في هذه الليلة تتجلى رحمات الله عز وجل على عباده، يرى الجزائريون أن ليلة القدر فرصة عظيمة لتقوية أواصر التضامن بينهم، لذلك تشهد أغلب المناطق خاصة القرى انتشار ما يسمى بـ"النفقة" بالعربية، أو "لوزيعة" باللغة الأمازيغية.

ويساهم سكان القرى بأموالهم في شراء أبقار أو أغنام، ويجتمعون على ذبحها وسلخها وتقطيعها ثم توزيعها على الفقراء والمساكين.

وفي هذه الليلة يكرم حفظة القرآن الكريم، فبعد صلاة التراويح تنظم أغلب المساجد حفلات يتلى فيها القرآن وتنشد المدائح الدينية، ويتوج حملة القرآن الكريم.

وشهد المسجد الكبير وسط العاصمة الجزائر أمس الخميس الاحتفالات الرسمية لوزارة الأوقاف، وهي الاحتفالات التي كان يحضرها بانتظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي غاب بسبب متاعبه الصحية، وناب عنه الوزير الأول عبد المالك سلال الذي وزع الجوائز على المتفوقين في الجائزة الدولية للقرآن الكريم، وتوج بها ممثل دولة فلسطين.

المصدر : الجزيرة