هنا سوريا حيث الاعتقال تجارة، ظاهرة أفرزتها سنوات الثورة، حيث ظهرت طبعة جديدة من الفساد والمفسدين في الأرض لا تتورع عن المتاجرة بحريات الطامحين إلى التغيير أو بعواطف ذويهم حال تعرضهم للاعتقال، وترى في هذه الحال مناسبة مثالية للتربح.

سلافة جبور-دمشق

لا يعد الاعتقال السياسي جديدا للسوريين، وهم يعيشون في بلد تحكمه الأجهزة الأمنية بقبضة من حديد منذ أكثر من أربعين عاماً، لكن قد يكون الكم الهائل للمعتقلين السياسيين هو ما يميز السنوات الثلاث الأخيرة.

ولا توجد إحصائيات رسمية أو مؤكدة لأعداد المعتقلين لدى أجهزة المخابرات في سوريا، لكن الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقدر تلك الأعداد بما لا يقل عن 215 ألف معتقل في كافة المحافظات، وذلك داخل مراكز الاحتجاز النظامية وغير النظامية.

ويشبه الاعتقال في سوريا اليوم الاختطاف، فغالباً ما يختفي المعتقل بشكل مفاجئ ويفقد أهله القدرة على الاتصال به أو معرفة الجهة التي قامت باعتقاله، وذلك حتى خروجه أو تحويله إلى السجن، وهو المكان الذي قد يتمكن فيه من إجراء اتصال هاتفي أو التواصل مع أحد معارفه.

ونتيجة لذلك، تحولت اليوم قضية الاعتقال إلى ما يشبه التجارة، فقلق عائلة المعتقل ويأسها من معرفة أي خبر عنه يدفعها إلى اللجوء لمن أصبحوا يعرفون بسماسرة المعتقلين، وهم أشخاص متنفذون في أغلب الأحيان يدعون القدرة على مساعدة المعتقل ومعرفة أخباره، وذلك لقاء مبالغ مالية طائلة يطلبونها من ذويه.

يتنوع تجار المعتقلين بين محامين ومتنفذين ومعارف لموظفي المخابرات (الجزيرة)

رواج
وعن تلك الظاهرة يقول الناشط عمر الشامي من دمشق "ازدهرت تجارة المعتقلين في العامين الأخيرين، حين لم تعد الأجهزة الأمنية تكتفي بالمدة القانونية للاحتجاز قيد التحقيق والتي لا يفترض أن تتجاوز ستين يوماً، إضافة إلى الأنباء عن تعذيب واستشهاد المعتقلين تحت التعذيب، وهو ما يزيد قلق الأهالي على مصير أبنائهم الغائبين، مما يدفعهم للبحث عن أي شخص يستطيع المساعدة، سواء كان من المعارف أو الأصدقاء أو أي وسيط لدى أحد الأفرع الأمنية وهنا تبدأ عملية الابتزاز والنصب".

ويوضح الشامي تنوع هؤلاء الوسطاء بين محامين وموظفين لدى الأفرع الأمنية وأشخاص تربطهم علاقات بضباط الجيش أو المخابرات، ولا يتوانون عن الاتجار وبشكل علني في بعض الأحيان بمصائر المعتقلين والمفقودين.

والكثير من الأهالي يوافقون على دفع مبالغ مالية مقابل معرفة مكان تواجد أبنائهم للاطمئنان عليهم، أما الخروج من المعتقل فيتطلب أكثر من ذلك بكثير، وتتراوح تلك المبالغ بين عشرات آلاف الليرات السورية إلى بضعة ملايين. لكن المؤسف أن دفع تلك المبالغ لا يؤدي بالضرورة للوصول إلى الغاية المرجوة، فكثيراً ما يختفي الوسيط بعد الحصول على النقود مباشرة ليصاب الأهل بخيبة أمل ويشرعوا بالبحث عن وسيط آخر قادر على مساعدتهم.

وتعد عائلة أبو محمود واحدة من الحالات التي تعرضت لهذا النوع من النصب، فهي لا زالت تنتظر خروج ابنها المعتقل في فرع المخابرات الجوية في دمشق منذ عام ونصف العام، دفعت خلالها أكثر من نصف مليون ليرة سورية (ثلاثة آلاف دولار) دون طائل. ويقول أبو محمود إن شخصاً ادعى معرفته بمدير مكتب رئيس الفرع طلب منهم دفع ذلك المبلغ للمساعدة في الإفراج عن ابنه. وأوضح أبو محمود أنه "قيل لنا إن تهمة ابني كبيرة وعلينا دفع كامل المبلغ وإلا فإنه لن يرى النور قبل عدة سنوات، وبعد أن قمنا بتسديد آخر دفعة اختفى ذلك الشخص دون أي أثر".

ولعائلة مريم التي كانت معتقلة في فرع الأمن السياسي في دمشق حكاية أخرى، فأحد المحامين طلب من أهلها دفع ثلاثمائة ألف ليرة لإخراجها من المعتقل، وفي الوقت الذي كانت العائلة تحاول جمع المبلغ المطلوب، خرجت مريم من الفرع بشكل مفاجئ ومن دون الحاجة لأي مساعدة. وتقول مريم "أعتبر نفسي محظوظة لأنني لم أعرّض عائلتي لمعاناة مضاعفة".

المصدر : الجزيرة