يطال القصف الإسرائيلي في غزة كافة شرائح المدنيين في المجتمع الفلسطيني، لكن اللافت أن منهم مسنين يحول ضعف قوتهم وعجزهم عن الحركة السريعة في ساعة القصف على المنازل دون لجوئهم إلى أماكن آمنة.

محمد عمران-خان يونس

على رصيف مدخل مستشفى خان يونس جنوب قطاع غزة تجلس المسنة فاطمة محمود قديح (76 عاما) وقد غطت الدماء معظم رأسها وأجزاء من ملابسها، بينما تبدو آثار الجروح المتعددة واضحة على يديها وقدميها، وهي بالكاد تستطيع التحرك من مكانها، ليس بفعل كبر عمرها فحسب، ولكن أيضا بسبب الأوجاع والآلام التي تشعر بها جراء سقوط أجزاء من منزلها عليها.

ما زال الخوف يتملكها، ولا تصدق أنها نجت من موت محقق كاد يفتك بها مع بعض أحفادها الذين لجؤوا إلى منزلها هربا من القصف، لكنه لاحقهم في منزل جدتهم ببلدة خزاعة شرق خان يونس.

وتبدو المسنة فاطمة في حالة ذهول مما يحدث حولها، فهي لم تشهد -بحسب قولها- طوال سنوات عمرها ما عاشته خلال الأيام القليلة الماضية في خزاعة، إذ ظلت لأيام تحت القصف ولم تفلح النداءات بإخراجها من منزلها إلا صباح اليوم الخميس بعد أن تعثرت محاولات الطواقم الطبية الوصول إليها منذ بداية التوغل البري الإسرائيلي.

وتتساءل فاطمة في حديثها للجزيرة نت "ماذا فعلنا لهم؟ كنا جالسين في بيوتنا لا سلاح معنا ولا دخل لنا بالمقاومة.. هم يريدون تدميرنا وحسب".

وفي مكان قريب من المستشفى نفسه تجهز الطواقم الطبية زينب أبو طير (جاوزت الثمانين) لنقلها إلى مستشفى آخر لخطورة حالتها الصحية، فهي لا تقوى على الكلام وتعاني من جروح داخلية وكسور في أنحاء مختلفة من جسدها.

وتعثرت محاولتنا في الحديث معها وهي ممددة على عربة إسعاف، لكنها حركت رأسها بصعوبة يمنة ويسرة، في إشارة إلى غضبها مما حدث لها ولسكان منطقتها من قصف مدفعي عنيف.

المسنة فاطمة قديح: لم أشاهد حربا كهذه طوال سنوات عمري (الجزيرة نت)

وبينما كان حفيدها علي أبو طير يغطي رأسها بمنديل صغير بدأت الدموع تسيل من عينيه كغيره من الأبناء والأحفاد الذين يلتفون حولها على مقربة من سيارة الإسعاف، ليعلو صوته قائلا "حسبي الله ونعم الوكيل".

وأضاف "حاولت إنقاذنا ونصحتنا بالهروب من المنزل، لكنها لم تفلح في التحرك بسرعة، فكان القصف من نصيبها".

وتابع "من يتحمل مسؤولية وصول جدتي إلى هذه الحال؟ والله أعلم هل ستنجو أو ستنضم إلى بقية الشهداء".

وإذا كانت الإصابة من نصيب المسنتين فاطمة وزينب، فإن طواقم الإسعاف لم تفلح في الوصول إلى المسن سليمان قديح (80 عاما) لإنقاذه من إصابته الخطيرة بعد تعرض منزله لقصف مدفعي، مما أدى إلى استشهاده مع ابنه أكرم ولم يتم انتشالهما من تحت الأنقاض حتى الآن.

وذكر وليد قديح -أحد أقاربه- أن العائلة اتصلت مرارا بالهلال والصليب الأحمر لإخلاء العائلة من بلدة خزاعة قبل القصف ولكن دون فائدة، حتى انهالت عليها القذائف وتهدمت أجزاء من المنزل على ساكنيه.

ومن بين عشرات الشهداء والمصابين الذين نقلوا إلى مستشفى ناصر والأوروبي في خان يونس، برز وجود عدد من كبار السن الذين أصيبوا واستشهدوا تحت القصف جراء عدم مقدرتهم على الهروب والتحرك بالسرعة الكافية لضمان عدم تعرضهم للقصف أو إطلاق الرصاص.

المصدر : الجزيرة