لم يخطر ببال أحد أن يأتي اليوم الذي تضييق فيه ثلاجات الموتى والمقابر بجثث الشهداء، لكن الغرابة تزول وتتحول إلى أسى في غزة حيث الشهداء يتساقطون بالعشرات يوميا، والقدرة الاستيعابية للمشافي محدودة والمقابر مكتظة والعدوان يتواصل والضحايا في ازدياد.

أحمد فياض-غزة

لم يعد هناك من خيار أمام الأسر الفلسطينية المشردة بعد امتلاء ثلاجات الموتى بالشهداء وتكدس الجثث الملقاة على أرضية الممرات المؤدية إليها سوى المسارعة إلى مجمعي الشفاء، وناصر الطبيين الرئيسيين في شمال وجنوب قطاع غزة وأخذ جثث أبنائهم ودفنها في أي مقبرة من المقابر المحيطة من دون اتمام مراسم التشييع أو حتى إلقاء النظرة الأخيرة عليها.

ودفع توالي وصول جثث الشهداء -التي تمكنت الطواقم الطبية من إجلائها من شرق القطاع، وعجز ثلاجات الموتى عن استيعاب أعداد كبيرة منها فضلا عن تعطل بعضها بسبب انقطاع التيار الكهربائي- الناجين والمشردين إلى المسارعة بدفن جثث شهدائهم في أي مكان متاح كي لا تتحلل أو تتعفن أسوة بما أصاب الكثير من جثث الشهداء خصوصا تلك التي لم يتمكن ذووها من التعرف عليها أو ممن لم يتمكنوا من الوصول إليها.

عياد يقف بجوار جثة أحد الشهداء بمجمع الشفاء دون أن يتمكن من دفنها (الجزيرة)

ازدحام
وبفعل تراكم الشهداء في مجمعي الشفاء وناصر تحولت المساجد المحيطة بهما إلى نقاط رئيسية وربما وحيدة للصلاة على الشهداء والانطلاق بهم إلى المقابر المكتظة المحيطة.

ومع بزوغ كل نهار جديد يسارع أهالي الشهداء إلى ثلاجات الموتى للبحث عن أبنائهم ممن سقطوا في ساعات الليل، ويتوالى وصول جموع صغيرة لتصطحب أبنائها إلى المساجد ومن ثم إلى المقابر المجاورة في مشهد متكرر لا يفارق المجمعين الطبيين الرئيسيين كل بضع دقائق.

واصطحب الشاب محمد عياد وبرفقة عشرات من أبناء عائلته عشر جثث لشهداء من أبناء العائلة ممن أحرقتهم قذائف مدفعية الاحتلال في حي الشجاعية، وذهبوا لدفنها بالقرب من شهداء مجزرة آل البطش في إحدى البساتين الكائنة في حي التفاح غرب الشجاعية، ولكن قذائف المدفعية التي وصل مداها إلى المكان حالت دون دفنهم هناك فعادوا بالجثث إلى مجمع الشفاء الطبي مرة أخرى.

ويقول محمد بعد عودته إلى المجمع ومعه جثث أبناء عمومته ومعظمهم من النساء والأطفال "ألم يكفي الاحتلال أن قتل نساءنا وأطفالنا وهدم منازلنا بحمم قذائفه، ليحرمنا من دفنهم في التراب؟". ويضيف متسائلا "إلى أين نذهب بهم، فالمقابر المجاورة لم تعد قادرة على استيعابهم، ونبحث عن دفنهم في قبر جماعي على أطراف إحدى المقابر القريبة من مجمع الشفاء الطبي".

 زقوت يدعو ذوي الشهداء إلى الإسراع بنقل جثامينهم (الجزيرة)

أما المدير الإداري لمجمع الشفاء الطبي إياد زقوت فيقول إن الكم الكبير من الشهداء الذين يتوالى وصولهم منذ بدء العدوان الشرس على غزة اضطر الإدارة إلى نقل الشهداء إلى إحدى غرف التصوير الإشعاعي والتي لم تعد هي الأخرى قادرة على استيعاب الشهداء لفترات طويلة.

ودعا زقوت ذوي الشهداء إلى سرعة إجلاء أبنائهم ودفنهم كي تتاح للمشفى فرصة استقبال شهداء آخرين وتشخيصهم من قبل الطبيب الشرعي.

وأوضح أن ثلاجات الموتى لم تكن مجهزة لاستيعاب أعداد كبيرة من الشهداء، فهي تتسع فقط لـ17 شخصا، وهو ما اضطر الإدارة لوضع الشهداء على الأرض. مشيرا إلى أن جثث بعض الشهداء مجهولي الهوية بدأت تتحلل بسبب تأخر وصول ذويها وصعوبة احتفاظ الثلاجات المتعطلة بالبرودة الكافية من أجل الاحتفاظ بها مدة أطول.

المصدر : الجزيرة