بينما تحاول إسرائيل دوما أن تنتحل صفة الدولة الديمقراطية، فإن الرقابة العسكرية لجيش الاحتلال تحرص دائما على مراقبة بث أجهزة التلفاز والإذاعة والصحافة والكتب وتشطب مقاطع منها، بدعوى الحفاظ على المعنويات الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بخسائر الاحتلال في غزة.

وديع عواودة-حيفا

ما زالت إسرائيل تعتمد إستراتيجية التعتيم الإعلامي أوقات الحروب والأزمات عبر "الرقابة العسكرية" لحجب معلومات حساسة عن الإسرائيليين، وسط انتقادات وتساؤلات عن مدى جدوى ذلك في ظل الانتشار السريع للمعلومات عبر الإنترنت والهواتف الذكية.

ومنذ صباح اليوم انتشرت بشكل غير رسمي في إسرائيل معلومات صحفية وتسريبات تفيد بمقتل 14 جنديا وجرح عشرات آخرين في حيي الشجاعية والتفاح في غزة، قبل أن يعترف الجيش الإسرائيلي بمقتل 13 جنديا من قواته في معاركه مع كتائب القسام. 

وتكرر الأمر نفسه أمس بعد مقتل أربعة جنود إسرائيليين حيث تم الكشف بالتدريج عن قتلهم في عمليتين مختلفتين من قبل وسائل الإعلام الإسرائيلية التي بثت أخبارا أولية لتمهيد الرأي العام لهذه الخسائر حفاظا على الناحية المعنوية، كما يؤكد صحفي إسرائيلي للجزيرة نت.

ويوضح الصحفي -الذي فضل حجب اسمه- أن الصحفيين في إسرائيل والكثير جدا من الإسرائيليين يعرفون أن 14 جنديا قتلوا في غزة بالساعات الأخيرة، لكن الرقابة العسكرية تمنع النشر بذريعة تبليغ العائلات. ويتساءل عن جدوى منع النشر ومحاولة تهيئة الجمهور الواسع طالما أن التسريبات انتشرت كالنار في الهشيم منذ الصباح؟

جيش الاحتلال يتكبد خسائر بشرية كبيرة
مع محاولاته دخول غزة بريا (الجزيرة نت)

الرقابة لن تجدي
ويتابع الصحفي "أفهم أهمية الرقابة في منع تحديد مواضع سقوط الصواريخ وملاحقة من ينتهك تعليماتها، لكن منع نشر معلومات في عصر الإنترنت مثله مثل سد مجرى نهر الأردن بكفي اليدين، ولن يفيدها كثيرا محاولة تعويض الإسرائيليين بالقول إننا قتلنا العشرات وهدمنا الأنفاق، أو إن القتال صعب وإننا مضطرون لدفع الثمن لأن البديل أسوأ".

والرقابة العسكرية وحدة تتبع إداريا الاستخبارات العسكرية (أمّان) في الجيش الإسرائيلي وتقوم بأعمال الرقابة المبكرة في مواضيع تتعلق بأمن إسرائيل قبل نشرها. وتعمل الرقابة العسكرية في إسرائيل استنادا إلى أنظمة الطوارئ الانتدابية من عام 1945 والتي تبنتها إسرائيل في قوانينها.

وحسب هذه الأنظمة فإن الرقابة العسكرية تحرص على ألا تعرّض أي معلومات تنشر على الملأ أمن الدولة وسلامة الجمهور والنظام العام للخطر، ولهذا فهي تراقب بث أجهزة التلفاز والإذاعة والصحافة والكتب وتشطب مقاطع منها، ويقودها قائد في الجيش وظيفته الموازنة بين قيمتين تتناقضان أحيانا وهما حق الجمهور في معرفة ما يدور حوله كجزء من حرية التعبير، وحاجة الدولة إلى رقابة معلومات من شأنها المسّ بأمنها.

ليفي: لا تستطيع الراقبة العسكرية
حجب الحقائق في عصرنا (الجزيرة نت)

انعكاس لأوضاع الميدان
لكن الكاتب الصحفي عوزي بنزيمان الذي يرصد الإعلام العبري بموقعه الناقد للإعلام "العين السابعة"، يسخر من استمرار وجود الرقابة العسكرية المتقادمة في ظل ثورة معلوماتية هائلة تقدم كل المعطيات للإسرائيليين من خلال منتديات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الأجنبية.

ويوضح بنزيمان للجزيرة نت أن وسائل الإعلام الإسرائيلية كانت في المرحلة الأولى من العدوان تزود الجمهور بمعطيات عميقة وواسعة، لكن معلوماتها اليوم باتت شحيحة وتكاد تنحصر بما يحرره الناطق بلسان الجيش والرقابة العسكرية، مشيرا إلى أن ذلك "يعكس تطور الأوضاع الميدانية لصالح العدو".

ويضيف "كانت الرقابة العسكرية ستساهم في حماية ميزان المعنويات الوطني في إسرائيل بحجب معلومات وتحريرها بالتدريج وبعد تهيئة لو كانت المعلومات غير منتشرة عبر الإنترنت، أما اليوم فإننا نترك الساحة لبيانات كتائب القسام التي يتضح أنها صحيحة كما حصل أمس بعدما قالت إن عناصرها يقاتلون داخل منطقة إسرائيلية بينما كان إعلامنا صامتا".

ويتفق معه الصحفي غدعون ليفي ويشير إلى أن أحدا لا يستطيع حجب الحقائق عن الجمهور حاليا، لافتا إلى أن العالم والإسرائيليين يعرفون أحيانا أن حدثا كبيرا وقع خلال الاجتياح، لكن الصحفيين هنا يمنعون من النشر من قبل الرقابة التي لم تعد لها تبرير في معظم الحالات.

ويذكّر ليفي بأن الإعلاميين الإسرائيليين منذ سنوات يلتفون أحيانا على الرقابة العسكرية بعدة وسائل، منها نشر "قصص خيالية" تحمل معطيات حقيقية وتلميحات حول ما جرى في الواقع.

المصدر : الجزيرة