علاء الزيات مواطن سوري في نهاية الثلاثينيات من عمره من بلدة جديدة عرطوز بريف دمشق، ساقه القدر إلى سجون النظام، حيث تعرض لشتى صور التعذيب هناك ضمن عشرات المعتقلين، لكن أقسى ما يعانيه هو فقدانه البصر بإحدى عينيه.

سيلين أحمد-ريف دمشق

"دخل بعينين وخرج بعين واحدة"، لعلها باتت أشهر العبارات التي يعرف بها علاء الزيات بين أهالي بلدة جديدة عرطوز بريف دمشق، بعد رفضه الحديث عما حدث له خوفا من بطش قوات النظام، لكنه عدل عن رأيه بمجرد وصوله إلى تركيا برفقة عائلته منذ بضعة أسابيع، وقرر الخروج عن صمته.

كان علاء 38 ( عاما) -الذي يصنف نفسه من الفئة المعارضة الصامتة- قد اعتاد الذهاب إلى محل الحدادة الكائن في بلدته لإعالة أسرته، لكنه فوجئ في إحدى المرات بقوات الأمن.
 
ويضيف للجزيرة نت "بلا أي أسباب تم ضربي أمام زوجتي وأطفالي واعتقلت مع مجموعة من الشباب، لتبدأ رحلة التعذيب بمجرد دخولي فرع المخابرات الجوية الكائن بحرستا، حيث وضعت في زنزانة تبلغ مساحتها بضعة أمتار برفقة خمسين معتقلا تقريبا، تعرضت للشبح والصعق بالكهرباء كي أعترف على شبان مسلحين، ودخلت مرحلة هذيان دون أن أعترف بشيء".

أمضى علاء أربعين يوما في الزنزانة قبل أن يتم نقله إلى زنزانة أخرى مليئة بمعتقلين مصابين بأمراض مختلفة، بلا ماء أو طعام، ويذكر محاولة أحدهم الانتحار من خلال خنق نفسه بيديه من هول الآلام.

ويتابع "حولت إلى التحقيق وطلبوا مني إعطاءهم أسماء، ووضعوني على الدولاب وتلقيت الفلقة طوال عشر ساعات متواصلة، وطلبوا مني الاعتراف بأني مسلح فلم أعترف لأني عرفت حينها عواقب ذلك، فعاودوا شبحي ثلاثة أيام متواصلة، استسلمت عندها وأعطيتهم اسمين لقريبين لي لا يد لهما في شيء كي أخفف من حدة التعذيب لكن هذا لم يكفِ".

فقدان الوعي
وفي إحدى المرات التي تم فيها اقتياده إلى التعذيب فقد الوعي، واعتقد المحقق أنه قد فارق الحياة، تم نقله مغطى العينين إلى المشفى كما أكد له معتقلون آخرون في 2 فبراير/شباط الماضي، لكنه لم يتعرف على المشفى الذي بقي فيه أسبوعا كاملا، ولا يتذكر إلا أصوات الأطباء ومعتقلين آخرين يتعرضون للضرب داخل المشفى، وبعد تحسنه تم نقله إلى الزنزانة مرة أخرى.

يقول علاء "صعبت عليّ الرؤية واعتقدت أن الأمر طبيعي، وأحسست بألم في عيني اليمنى وظننت أن الضرب هو سبب ذلك، وبعد مرور وقت قصير تأكدت أنني فقدت البصر بها تماما، وقال لي معتقلون آخرون إن شكل عيني ليس على ما يرام، حينها أصابتني هستيريا يصعب وصفها".

بعد فقدانه البصر بعينه اليمنى لم يتعرض علاء للتعذيب طوال أشهر باستثناء بعض المرات القليلة التي كان يضرب بأنابيب بلاستيكية وعصا غليظة على قدميه لإجباره على الاعتراف بأنه مسلح لكنه رفض، إلى أن أفرج عنه ضمن عفو رئاسي في يونيو/حزيران الماضي، وبعد خروجه بعدة أيام توجه إلى طبيب مختص على أمل استعادته البصر، لكنه ذهل حين علم عدم وجود قرنية في عينه، فقرر عرض حالته على طبيب مختص آخر أكد بدوره النتيجة نفسها.

في الوقت الذي رفض فيه الأطباء الإفادة بشهادتهم خوفا من أي ضرر قد يلحق بهم، خصوصا لدى معرفتهم بحكاية علاء كمعتقل سابق، قبل أحد أقاربه -وهو طبيب عام طلب عدم ذكر اسمه- الحديث عن حالة علاء للجزيرة نت.

وقال "قابلته قبل ذهابه إلى طبيب مختص، وحيرتني حالة التشوه التي تعاني منها عينه، اعتقدت أن عجزه عن الرؤية يرجع إلى انفصال في شبكية عينه جراء الضرب المبرح الذي تعرض له، لكن فحص الأطباء المختصين أكد مرتين اختفاء القرنية، وأنا كطبيب أعلم جيدا أن استئصال القرنية أمر سهل ووارد جدا".

البحث عن قرنية جديدة بات هم علاء الوحيد آملا في متابعة حياة طبيعية، لكنه يسأل دائما "من سيحاسب هؤلاء بعد أن سرقوا البصر من عيني؟".

المصدر : الجزيرة