تستمر معركة الحكومة التونسية مع من تصفهم بالجماعات التكفيرية لاسترجاع سيطرتها على المساجد التي يبلغ عددها قرابة 5100 جامع، شهد خُمسها انفلاتا كبيرا عقب الثورة التي أطاحت بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

خميس بن بريك-تونس

تواجه الحكومة التونسية -التي تسعى لترشيد الخطاب الديني باسترجاع سيطرتها على المساجد التي ظل الكثير منها تحت سطوة جماعات موصوفة بالتشدد- مصاعب كثيرة في حسم هذا الملف الذي احتدم الجدل السياسي بشأنه، لا سيما مع اقتراب الانتخابات.

فبينما توجه المعارضة انتقادات لحكومة مهدي جمعة التي تسلمت السلطة مطلع هذا العام، بسبب ما تعتبره تقصيرا في تحييد المساجد عن الموصوفين بالتشدد وعن التوظيف السياسي، ينتقد عدد من الأئمة ما يرونه تضييقا على المساجد كما كان في السابق.

وبين هذا وذاك تستمر معركة الحكومة مع من تصفهم بالجماعات التكفيرية لاسترجاع سيطرتها على المساجد التي يبلغ عددها قرابة 5100 جامع، شهد خُمسها انفلاتا كبيرا عقب الثورة التي أطاحت بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

يقول رئيس ديوان وزير الشؤون الدينية عبد الستار بدر إن "المتشددين سيطروا -عقب الثورة-على حوالي ألف مسجد"، مؤكدا أن الحكومات المتعاقبة استرجعت سيطرتها على تلك الجوامع المنفلتة ونجحت في استعادة أغلبها.

ويضيف للجزيرة نت أن الحكومة الحالية دخلت في صراع يومي مع متشددين لاسترجاع بقية المساجد، مؤكدا أن المساجد التي بقيت خارج السيطرة لا تتجاوز الخمسين ستقوم السلطات باسترجاعها قريبا، حسب تأكيده.

وعملية استرجاع المساجد وتنحية الأئمة الموصوفين بالتشدد ا-لذين يقول عبد الستار بدر إنهم يكفرون المجتمع وحكامه ويعتبرون رجال الأمن طواغيت- "صعبة"، مبرزا أن السلطات الأمنية والقضائية عادة ما تتدخل لإجبار الأئمة المتشددين على التنحي.

وشهدت بعض المساجد في مدن تونسية سابقا اشتباكات بين رجال الأمن و"متشددين" رفضوا الإذعان لقرارات وزارة الشؤون الدينية بتنحية أئمتهم، فيما ما زالت بعض المساجد حتى الآن "معاقل" لهؤلاء المتشددين في بعض المناطق، منها العاصمة.

غير أن المعارضة التونسية ليست راضية عن جهود الحكومة في تحييد المساجد. وفي هذا السياق يقول القيادي بحزب التيار الشعبي محسن النابتي إنه رغم محاولات الحكومة في بداية حكمها تحييد المساجد فإن خطواتها بعد ذلك كانت "متعثرة".

محسن النابتي: خطوات الحكومة تعثرت (الجزيرة)

ويؤكد النابتي للجزيرة نت أن هناك توظيفا للمساجد من قبل حركة النهضة لاستقطاب الناخبين ومن حزب التحرير الإسلامي لمقاطعة الانتخابات ومن الجماعات التكفيرية للدعوة للجهاد، مؤكدا أن "هذا التوظيف زاد على حده في شهر رمضان".

مجرد مزايدات
في المقابل، اعتبر الناطق باسم حركة النهضة زياد العذاري الاتهامات الموجهة لحزبه "مجرد مزايدات"، مؤكدا أن حركة النهضة ملتزمة بالفصل السادس من الدستور الذي ينص على تحييد المساجد من التوظيف الحزبي لضمان انتخابات نزيهة.

ومن المقرر إجراء الانتخابات التشريعية بتونس في 26 أكتوبر/تشرين الأول المقبل ثم الانتخابات الرئاسية في 23 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

ويقول العذاري للجزيرة نت إن حزبه يرفض استغلال المساجد لأغراض حزبية أو للدعوة لأعمال إرهابية، لكنه يرى أن للمساجد خصوصياتها، لا بدّ من احترامها في كنف القانون.

واحتج مؤخرا عدد من الأئمة على ما اعتبروه تضييقا على المساجد من خلال استمرار تطبيق قانون المساجد الذي وضعه الرئيس المخلوع سنة 1988، مؤكدين أن بعض الأئمة تمت محاكمتهم "ظلما" بهذا القانون في إطار عملية تحييد المساجد.

ويؤكد شهاب الدين تليش -أحد الأئمة المحتجين- للجزيرة نت أن هناك أئمة حوكموا بقانون 1988 "الزجري" على أساس أنهم أئمة غير مرخص لهم استولوا على مساجد، في حين إنهم أئمة معتدلون، وملفاتهم معطلة لأسباب ترجع لوزارة الشؤون الدينية، وفق قوله.

شهاب الدين تليش أحد الأئمة المحتجين على قانون المساجد القديم (الجزيرة)

ويرى أن مسألة تحييد المساجد أخذت أبعادا سياسية مبالغا فيها، مبينا أن الدستور تحدث عن تحييد المساجد من التوظيف الحزبي ولم يمنع الخوض في الشأن السياسي باعتباره شأنا عاما.

تقزيم
ورفض تقزيم دور الأئمة وحرمانهم من حقهم في حرية التعبير، وطالب بالإسراع في إقرار قانون المساجد الجديد.

ويقول رئيس ديوان وزير الشؤون الدينية عبد الستار بدر إن وزارته أرسلت مشروع قانون لتنظيم المساجد إلى المجلس التأسيسي (البرلمان).

وشدد في الوقت ذاته على أن الأئمة في الوقت الراهن لهم كامل الحرية في اختيار مواضيع خطبهم، لكن بعيدا عن الشأنين السياسي والحزبي "لتجنب الطعن في نزاهة الانتخابات".

المصدر : الجزيرة