إلى جانب القصف المكثف تلجأ إسرائيل إلى أساليب الحرب النفسية لإنهاك معنويات أهالي غزة، وخلق ضغط معنوي على المقاومة الفلسطينية، إلا أن سكان غزة أفشلوا هذه المساعي بثباتهم وخبرتهم في التعامل مع أساليب الاحتلال.

أحمد فياض-خان يونس

لم يرق للاحتلال الإسرائيلي أن يرى الجبهة الداخلية في قطاع غزة متماسكة وقوية، في الوقت الذي يهرع فيه المستوطنون إلى الملاجئ ويلتزمون المنازل خوفا ورعبا من ضربات صواريخ المقاومة، فسارع إلى تفعيل أساليب الحرب النفسية على سكان القطاع في محاولة لحسم جولة عدوانه وإحراز صورة النصر.

ومنذ اليوم الثالث للعدوان، بدأ الجيش الإسرائيلي تكثيف استخدامه أساليب الحرب النفسية على الفلسطينيين، ورفع وتيرة استهداف المدنيين بالتزامن مع بثّ رسائل صوتية على الهواتف الثابتة والمتنقلة لسكان المناطق المحاذية للشريط الحدودي شرق القطاع، طالبا منهم مغادرة منازلهم واتخاذ دروب معينة للوصول إلى مراكز المدن غرب القطاع.

ويبدو أن الاحتلال أراد من وراء لجوئه إلى هذا الأسلوب الجديد من الحرب النفسية غير المألوف لأهل القطاع من قبل، خلق حالة من الهلع والفوضى للضغط على المقاومة والحد من ضرباتها الموجعة، ورفع الروح المعنوية لدى الإسرائيليين، وإظهار أن العدوان أخاف الفلسطينيين وأرعبهم.

أطفال بالقرب من مفرق منطقة بني سهيلا التي يطالب الاحتلال أهلها بإخلائها (الجزيرة)

صور الصمود
وفور تلقي سكان مناطق خزاعة وعبسان وبني سهيلا جنوب شرق القطاع تسجيلات جيش الاحتلال المطالبة بإخلائهم منازلهم وتوجههم إلى مركز مدينة خان يونس غربا للحفاظ على حياتهم، جالت كاميرا الجزيرة نت بين سكان تلك المناطق ورصدت صمود الناس في أماكن سكنهم، وكيف أنهم يصولون ويجولون ويمارسون شؤون حياتهم غير آبهين بتهديدات الاحتلال، بل إنهم يتهكمون على تلك التهديدات في كثير من الأحيان.

ويخرج الزائر لتلك المناطق -التي لم يَسلم عدد من بيوتها من التدمير- بانطباع مفاده أن لسان حال الناس يقول "إن الضربة التي لا تميتنا تزيدنا قوة وثباتا"، حيث تقاربت ردود أفعال من تحدثت معهم الجزيرة نت بين من هو مدرك تماما للأساليب الدعائية الإسرائيلية، وبين من يرى أنه لم يعد أي مكان آمن في غزة يلجؤون إليه في ظل توالي هجمات الاحتلال.

ويعبر عن ذلك الحال الشاب فادي البريم -من سكان بلدة بني سهيلا- بقوله "نحن مُسلمون بقدر الله، ولم نعد نضع في حساباتنا أي اعتبارات لتهديدات الاحتلال في الوقت الذي يقتل فيه النساء والأطفال ويعيث خرابا وتدميرا في كافة أرجاء قطاع غزة".

وأضاف في حديثه للجزيرة نت أن الناس تعلم جيدا أن الاحتلال يلقي بحمم قذائفه من الجو والبحر والبر، وأن ساعة الاستشهاد قد تحين في أي لحظة أسوة بما حدث مع الكثيرين، ولذلك لم تعد ترهبهم أو تخيفهم تهديدات الاحتلال وتوعداته.

ويرى الباحث والمحلل المختص في الشأن الإسرائيلي وجيه أبو ظريفة أن إسرائيل تهدف من خلال تصعيد عمليات استهداف المدنيين وإخضاعهم للأساليب الدعائية إلى الضغط على المقاومة وإجبارها على القبول بالشروط الإسرائيلية لوقف إطلاق النار.

واعتبر -في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت- أن عدم اكتراث السكان بالأساليب الدعائية الإسرائيلية مرده إلى أن إسرائيل فرضت آلية الحرب ولكنها لا تستطيع أن تفرض على المواطن الفلسطيني كيفية التعامل مع هذه الحرب، لافتا إلى أن المواطن يدرك أن هذه الحرب عدوانية متواصلة وقد تدوم .

وأشار أبو ظريفة إلى أن العدوان فرض على أهالي القطاع أن يعيشوا حياتهم ولا يغادروا أراضيهم ومنازلهم، لأنهم يدركون أنهم لا يملكون إلا خيار الصمود الذي يحول دون تحقيق الاحتلال أهدافه.

ويؤكد أستاذ علم النفس الاجتماعي فضل أبو هين أن الاحتلال يهدف من حربه النفسية إلى خلق حالة من الإرباك في صفوف السكان، لأنه يدرك أن صمود المقاومة مستمدة من صلابة الجبهة الداخلية الفلسطينية.

بائع "قطاريف" رمضان يعرض بضاعته بشكل طبيعي (الجزيرة)

تعود وثبات
وأضاف أن تعود سكان قطاع غزة على مكر الاحتلال عبر الكثير من جولات العدوان السابقة جعلهم أكثر صلابة ووعيا وأكثر قدرة على اكتشاف ألاعيب الاحتلال ومكره، ورغم أن عشرات المنازل قصفت وهدمت فوق ساكنيها، فإن الناس لا يستجيبون لتهديدات الاحتلال ويدركون أن ذلك يندرج ضمن أساليب الحرب النفسية.

وعلق الإخصائي النفسي على ما أوردته كاميرا الجزيرة نت من تعليقات لأصحاب المناطق الذين تلقوا اتصالات هاتفية بإخلاء منازلهم، بأنها تحمل درجة عالية من الثبات والقوة والثقة العالية بالنفس.

وأضاف -في حديثه للجزيرة نت- أن مبعث هذه الثقة الكبيرة في نفوس الفلسطينيين في قطاع غزة مردها إلى الحصانة الذاتية التي اكتسبوها على مدار سنوات الاحتلال والحصار الطويلة، والتي أذاقهم خلالها الاحتلال صنوفا متعددة من الآلام والمآسي والجرائم.

المصدر : الجزيرة