مقري: النظام الجزائري يعيش أوضاعا استثنائية
آخر تحديث: 2014/7/1 الساعة 12:57 (مكة المكرمة) الموافق 1435/9/5 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2014/7/1 الساعة 12:57 (مكة المكرمة) الموافق 1435/9/5 هـ

مقري: النظام الجزائري يعيش أوضاعا استثنائية

مقري: في مدى أقل من 15 سنة لن يكون بإمكان النظام الجزائري أن يضمن الموازنة (الجزيرة نت)
مقري: في مدى أقل من 15 سنة لن يكون بإمكان النظام الجزائري أن يضمن الموازنة (الجزيرة نت)

حاوره في نواكشوط-أحمد الأمين

انتقد رئيس حركة مجتمع السلم في الجزائر عبد الرزاق مقري الأوضاع السياسية في بلاده، وقال إن النظام يعيش أوضاعا استثنائية غير مسبوقة.

وأضاف مقري -في حوار مع الجزيرة نت- أن هناك تفككا في بنية النظام وعدم انسجام بين أجنحته، وانتشارا واسعا للفساد بات مؤثرا على القرار السياسي، وهو ما أدى "لأول مرة لأن يصبح للفساد سطوة كبيرة داخل مؤسسات الدولة الجزائرية".

اقتصاديا، لفت السياسي الجزائري إلى تراجع المداخيل من المحروقات مقابل تزايد الواردات، ما تسبب في تراجع الميزان التجاري.

وقال أيضا: لقد أنفق النظام سبعمائة مليار دولار على مدى 15 سنة في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لكنه "لم يستطع أن يحقق تنمية اقتصادية، وبقيت الجزائر مرتبطة بالمحروقات البترولية والغاز، مما جعل النظام يشعر بحرج كبير وأصبح يبحث عن بدائل فدخل في مغامرة الغاز الصخري".

وعن المستقبل، توقع مقري أنه "في ظرف أقل من 15 سنة لن يكون بإمكان النظام الجزائري أن يضمن الموازنة بسبب الوضع الاقتصادي".

وعن رؤيته لتحقيق التغيير بالجزائر، قال إن الضغط السياسي والظروف الاقتصادية للبلاد "ستتضافر من أجل جعل النظام يقبل في وقت من الأوقات بالحوار للانتقال الديمقراطي، وإذا لم يفعل ذلك فإنه سيتسبب في انهيار الجزائر وعندئذ ستكون للمعارضة قدرة كبيرة على احتواء الوضع ومنع الجزائر من الانهيار أو الانتقال إلى المجهول".

وفيما يلي نص الحوار:

 شهدت الجزائر مؤخرا انتخابات رئاسية قاطعتها قوى سياسية من بينها حركة مجتمع السلم (حمس) كيف أثرت الانتخابات على موازين القوى السياسية؟

- لقد أثرت الانتخابات الرئاسية الأخيرة نسبيا في موازين القوى، حيث أظهرت عزلة كبيرة للنظام من حيث قدرته التقليدية على احتواء الطبقة السياسية والتأثير فيها وتسييرها وفق مشاريعه.

فلأول مرة منذ عقود طويلة يفشل نظام الحكم في تمرير إرادته على الطبقة السياسية التي اجتمعت بشكل غير مسبوق وقاطع فصيل كبير منها هذه الانتخابات. واستطاعت المعارضة الاجتماع في ندوة الانتقال الديمقراطي التي قال الجميع عنها في الجزائر إنها ندوة تاريخية، في الوقت الذي عجز أحمد أو يحيى -المكلف بتسيير المشاورات التي أطلقها النظام- عن استقطاب القوى السياسية.

وبالطبع فقد أعطى هذا الوضع زخما كبيرا للعمل السياسي للمعارضة، وخلق آمالا عريضة للجزائريين الذين يريدون التغيير، وأعطى كذلك رسالة للنظام السياسي بأنه لن يستطيع أن يستمر في سياسته هذه، وعليه أن يقبل اليد الممدودة من المعارضة بضرورة الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه.

ورغم أهمية ما حققته المعارضة من تغيير في ميزان القوى، فإن ذلك لا يعتبر أمرا حاسما، لكنه خطوة مهمة وأساسية نحو التغيير والإصلاح.

 في ضوء ذلك ما هي مآلات الوضع السياسي في الجزائر؟ 
لا بد من التنبيه إلى أن نضال المعارضة مهم في صياغة وتحديد المآلات، إلا أنه ليس وحده الحاسم في ذلك، بل هنالك محددات وعوائق موضوعية تقابل نظام الحكم في الجزائر، تتضافر مع عمل المعارضة.

- إن النظام يعيش أوضاعا استثنائية غير مسبوقة، فهنالك تفكك في بنيته وعدم انسجام بين أجنحته، وهنالك انتشار واسع للفساد بات مؤثرا على القرار السياسي، ولأول مرة تصبح للفساد سطوة كبيرة داخل مؤسسات الدولة الجزائرية. وبالإضافة إلى ذلك هنالك تغيرات كبيرة في الواقع الاقتصادي تتمثل في تراجع مداخيل البلاد من المحروقات، في مقابل تزايد الواردات، مما أدى إلى تراجع الميزان التجاري.

لقد أنفق النظام على مدى 15 سنة في عهد بوتفليقة سبعمائة مليار دولار لكنه لم يستطع أن يحقق تنمية اقتصادية، وبقيت الجزائر مرتبطة بالمحروقات البترولية والغاز، مما جعل النظام يشعر بحرج كبير وأصبح يبحث عن بدائل، فدخل في مغامرة الغاز الصخري الذي هو موضوع يحتاج إلى نقاش مجتمعي واسع بسبب مخاطره البيئية التي لم يعتن النظام بها.

وقد فرض هذا الواقع الاقتصادي نفسه على النظام مما جعله يعترف بما ظل ينكره، فقد قال رئيس الوزراء عبد المالك سلال إنه في حدود 2030 لن يكون لدى الجزائر بترول أو غاز تصدره.

و15 سنة في عمر الشعوب قليلة جدا، ونحن نتوقع أنه في ظرف أقل من ذلك لن يكون بإمكان النظام الجزائري أن يضمن الموازنة بسبب هذا الوضع الاقتصادي.

وأعتقد أن تضافر جهد المعارضة مع هذه الظروف الموضوعية سيعطي فرصة للتغيير، وهو تغيير نعمل على أن يتم من خلال انتقال ديمقراطي متفاوض عليه، لأن استعمال الشارع للثورة على النظام ليس منهجنا ولا منهج الطبقة السياسية بمجملها.

ومع أننا لا نتوقع أن من بيدهم الأمر سيتجهون بإرادتهم إلى انتقال ديمقراطي، فإننا نرى أن الضغط السياسي والظروف التي تحدثت عنها ستتضافر من أجل جعل النظام يقبل في وقت من الأوقات الحوار للانتقال الديمقراطي، وإذا لم يفعل ذلك فإنه سيتسبب في انهيار للجزائر، وعندئذ ستكون للمعارضة قدرة كبيرة على احتواء الوضع ومنع الجزائر من الانهيار أو الانتقال إلى المجهول.

في إطار الدور الذي رسمتموه للمعارضة في الانتقال الديمقراطي، أين موقع التيار الإسلامي؟

- التيار الإسلامي في الجزائر يتطور بشكل كبير يقوده تيار الوسطية والاعتدال الذي تقع حركة مجتمع السلم في صدارته، وتشكل طرفا أساسيا فيه.

لقد استطاع التيار الإسلامي أن يتجاوز الكثير من الخلافات التي كانت سمة بارزة فيه وأصبح يعمل وفقا لرؤى مشتركة، وقد خطا خطوات أساسية في التقارب والعمل المشترك، ونحن في حركة مجتمع السلم لدينا مشاريع تنسيق وعمل مشترك مع أطراف الحركة الإسلامية، وعلاقاتنا مفتوحة مع حركة النهضة، وجبهة التغيير، والعدالة والتنمية للشيخ عبد الله جاب الله، وكذلك مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

إن التيار الإسلامي شهد تطورا ملحوظا وأصبح هنالك عمل مشترك بين أكثر الأحزاب الإسلامية تشددا ومع أكثر الأحزاب علمانية، وقد لعبت حركة مجتمع السلم دورا في ذلك وكانت وسيطا ناجحا وفاعلا في ذلك.

الوضع الراهن في ليبيا يبدو مقلقا وينذر بانتكاسات لمسار الثورة الليبية، كيف يمكن لليبيين والإسلاميين خصوصا تجنب ما حدث في مصر وقطع الطريق على اللواء خليفة حفتر ومن هم وراءه؟

- الوضع في ليبيا خطير جدا بسبب انتشار السلاح واحتمال وجود فوضى قد تهدد الأمن والسلم والاستقرار في مختلف دول المنطقة وخاصة الجزائر.

والشعب الليبي عليه أن يدرك هذه المخاطر ويعي أن الانقلابات العسكرية ليست الحل، وأن ما يقوم به حفتر تهديد لوحدة ليبيا واستقرارها لأن الانقلاب على الشرعية لم يؤد في أي بلد من بلدان العالم إلى الاستقرار بل يزيد التوتر ويهدد الأمن والسلم.

على الليبيين عموما والإسلاميين خصوصا أن يستفيدوا من تجارب إخوانهم في الحركات الإسلامية بالمغرب العربي التي تقدمت خطوات كبيرة جدا في فهم وإدراك حقائق الأرض والأوضاع الإقليمية والدولية، واستيعاب مسألة التمكين.

إن تجارب الحركات الإسلامية في المغرب العربي تتميز بنضج كبير، ففي الجزائر نرى الأحزاب الإسلامية تعمل مع مختلف الأحزاب، وهو نفس الأمر الحاصل في موريتانيا، وفي المغرب حكومة من الإسلاميين والعلمانيين، كما هو الحال في تونس.

إذن على الإسلاميين في ليبيا أن ينحوا منحى أشقائهم في المغرب العربي، وأن يتعاملوا مع غيرهم من الأحزاب من أجل المحافظة على ليبيا. وعلى التيار الإسلامي أن يعطي الأولوية لسلامة ليبيا واستقرارها، ولإشاعة وتكريس الحريات فيها لأن ذلك هو الذي يضمن استمرار المشروع الإسلامي، ويضمن مصالح الشعب الليبي.

 قلتم في إحدى المناسبات إن التمكين في هذه الفترة غير وارد وإن على الإسلاميين حشد قوى التغيير في مواجهة الديكتاتوريات، أين موقع الليبراليين واليسار ضمن هذا الحشد؟

- لا أتصور أن الفرز في ما يتعلق بالوقوف مع الديكتاتوريات أو ضدها يرتبط بمذهب أو بأيديولوجيا ولكنه يتعلق بالمصالح، فنحن نرى بعض الليبراليين مع الديكتاتوريات وبعضهم ضدها ونرى يساريين ضدها ويساريين معها، هي مسألة مصالح وأشخاص يلبسون لبوس الليبرالية أحيانا واليسار أحيانا أخرى، بل ويلبسون لبوس التيار الإسلامي ويقفون مع الديكتاتوريات ويفتون بسفك الدماء، والعياذ بالله.

والوضع الطبيعي أن كل من يؤمن بالحرية وبالديمقراطية عليه أن يقبل العمل المشترك مع غيره. وعلى التيار الإسلامي أن يدرك أن المرحلة ليست مرحلة التمكين لأن التمكين لا يكون إلا بالديمقراطية. والمطلوب الآن من الإسلاميين العمل مع غيرهم من أجل تقوية المجتمع لتكون الإرادة الشعبية هي الضابط بدل القوة.

 تعرضت ثورات الربيع العربي لانتكاسات في أكثر من موقع، ما السبب في ذلك وهل يعتبر ما حدث نهاية لهذا المسار؟

- لست ممن يقولون بأن هنالك ردة على الحرية، فالردة هي على الشرعية، وأعتقد أن المكسب الأكبر من ثورات الربيع العربي ليس صعود الإسلاميين بل هو الحرية، أما صعود الإسلاميين فهو تجربة من التجارب سيستفيد الإسلاميون منها، ويقومون بمراجعات فكرية ومراجعات لمقارباتهم لمفهوم الحكم وعلاقتهم بالآخرين.

لقد وجدت الحركة لإسلامية نفسها في أتون الصراع على الحكم ضمن منظومة فكرية لم تشتغل عليها كثيرا، فقد انشغلت منذ نشأتها أواخر عشرينيات القرن الماضي بـ"الفرد المسلم والأسرة المسلمة". والمكتبة الإسلامية التي تربت عليها أجيال من التيار الإسلامي ركز معظمها على ما نسميه فقه الدعوة والقضايا الشرعية، ولذلك وجدت الحركة الإسلامية نفسها تعالج أمرا لم يكن موضوع تركيز واجتهاد موسع في القرن الماضي.

لكنه سيكون موضوع اجتهاد في القرن المقبل (القرن الثاني في تاريخ الحركة الإسلامية) ونحن نتحدث عن الانتقال من قرن الصحوة التي أسستها الحركة الإسلامية منذ نشأتها إلى قرن النهضة، وقرن النهضة يتطلب تجديدا في التفكير.

وهذه الصيرورة التاريخية تتناسب مع الحتمية النصية القائمة على الحديث "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ونحن حينما نقول إن بداية التجديد الإسلامي (الصحوة) كانت في عشرينيات القرن الماضي فإن ذلك يعني مضي أكثر من تسعين سنة، ومن ثم فإننا نعيش اليوم مرحلة تجديد أخرى.

والخلاصة أنه لا يوجد تراجع في الثورات العربية لأن مكسب الحرية الذي هو الإنجاز الأول لهذه الثورات سيمكن من معالجة كل الاختلالات، وهذا ما يؤكده تاريخ الثورات في العالم.

 أول زيارة خارجية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي  بعد انتخابه كانت للجزائر، ما دلالة ذلك؟

- نحن في حركة مجتمع السلم أصدرنا بيانا نددنا فيه بهذه الزيارة، ونشعر بكثير من الخجل كجزائريين، ونعتبر أن هذا الاستقبال لا يمثلنا ولا نتشرف به، ونبرأ منه.

ومن المؤسف حقا أن بلد الشهداء، والمقاومة، والحرية، يصبح أول بلد يستقبل رمزا انقلابيا دمويا.
وهذا التصرف يعمق وعي الشعب الجزائري بطبيعة النظام، ويؤكد له أنه نظام يميل إلى الانقلاب، وينتمي إلى الذهنية الانقلابية على حساب الشعوب وحريتها. 

المصدر : الجزيرة

التعليقات