خليل مبروك-إسطنبول

في يوم مشؤوم لا يزال حسن محمد الترشيحاني يتذكر كامل تفاصيله، قصف الطيران الحربي الإسرائيلي بلدة ترشيحا الواقعة في الجليل الأعلى فسقطت في أيدي العصابات اليهودية وغادرها ذووها كرها تائهين.

كان يوم 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1948 يؤرخ لبداية حقبة من المرارة، كتب القدر على الطفل محمد أن يعيشها لتقوده إلى التشرد ثم إلى ساحات النضال والمشي في مناكب الأرض، قبل أن يلقي عصا التسيار مؤخرا في تركيا ويروي للجزيرة نت ذكرياته عن النكبة والنكسة وعن خيبات العرب.

بعد سقوط ترشيحا توجه محمد مع أسرته إلى قانا في جنوب لبنان، ومنها ارتحلوا بالقطار عبر صور إلى مخيم برج البراجنة حيث مكثوا تسعة أشهر أقاموا فيها مع بقية المهجرين في جامع العرب.

بعد ذلك التأم شمل عائلة الترشيحاني في مخيم النيرب قرب حلب حيث كانت أحوال اللاجئين بالغة الصعوبة، إذ كان يتحتم على 16 عائلة أن تقيم في خباء واحد.

الثورة والتحرر
لاحقا، تطور المخيم ليحتضن جيل النكبة، فيمّم الترشيحاني وجهه شطر جامعة دمشق ليكمل دراسته، لكن التطلعات الثورية التي كانت الوطن العربي يموج بها دفعته للالتحاق بكلية ضباط الاحتياط في حلب.

ويروي للجزيرة نت أنه بعد تخرجه برتبة ضابط التحق فورا بجيش التحرير الفلسطيني في معسكر أبي عبيدة في درعا.

تختزن ذاكرة الترشيحاني تفاصيل دقيقةً عن طبيعة حياة المقاتلين ويقدم شهادة تاريخية حول أحداث حرب حزيران التي شهدت توسع إسرائيل واحتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة وصحراء سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية.

الطيران الإسرائيلي قصف مواقع الجيش السوري وتناثرت آلياته المحترقة بعد انسحابه العشوائي من خط القنيطرة-الشام وحتى مشارف دمشق

يروي الترشيحاني أنه التحق فورا بالمعسكر بعد الإعلان عن وقوع الحرب، قائلا إنه وجد رفاق سلاحه يرقصون بالبنادق ابتهاجا بقرب المواجهة والتحرير.

وبغصة لم يمحها مرور السنين، يتحدث الترشيحاني عن المعركة يوما تلو الآخر، ويسرد كيف قصف الطيران الإسرائيلي مواقع الجيش السوري وتناثرت آلياته المحترقة بعد انسحابه العشوائي من خط القنيطرة-الشام وحتى مشارف دمشق.

ويقول إن رفاقه كانوا سعداء عندما أمروا بالتوجه إلى درعا استعدادا لدخول الأردن ومنها إلى الضفة الغربية.

ويضيف أن العقيد أسعد دبور تولى ترتيب دخول جيش التحرير إلى الأردن، وتم ذلك فعلا في اليوم الثاني للحرب.

الخيبة والحزن
لكن الخيبة باغتت الثوار، فما أن قفل دبور عائدا إلى سوريا للقاء جيش التحرير حتى جاء الخبر الصادم، وهو أن القدس قد احتلت، مما أحبط خطة التوجه للقتال في الضفة الغربية. ويحكي أن سقوط المدينة المقدسة لم يؤد لانهيار معنويات الجنود، لكن حزنهم كان عميقا.

ويتذكر أن احتلال القدس زاد من عزيمة الجنود واستعدادهم للقتال، إلا أن الجيش الإسرائيلي كان يقصف المواقع السورية واحدا تلو الآخر.

بعد تجرع مرارة الهزيمة عاد الترشيحاني إلى مخيم النيرب ليمارس حياته ككل اللاجئين الفلسطينيين بسوريا، فدرس وتخرج والتحق بدراسة أخرى في أميركا عام 1980.

عمل الترشيحاني في دولة الإمارات العربية المتحدة ثم في اليمن وعاد منها إلى سوريا عام 1996 حيث أقام فيها حتى العام 2012.

وكما بدأ حياته، عاد الترشيحاني ليستأنف السير في دورب الغربة والتشرد، إذ أجبرته الحرب في سوريا على مغادرة مخيم النيرب إلى اليمن ثم إلى مصر حيث مكث عاما دون أن يحصل على حق الإقامة، قبل أن ينتهي به المقام في إسطنبول.

المصدر : الجزيرة