لا يسعك التعبير حين تنظر في وجوه هؤلاء الأطفال, وإن حاولت أن تطيل النظر فلا تملك إلا أن تخفض عينيك سريعا كي لا تنظر في عيون أطفال تتساءل عن مصير آباء اعتقلوا في عقاب جماعي طال الصالح والطالح.

منى الزملوط-رفح

لا يشعر الأطفال في سيناء بالسعادة التي اعتادوها مع قدوم شهر رمضان المبارك من كل عام، لأن كثيرا منهم إما فقد المأوى بعد أن قام الجيش المصري بتدمير العديد من المنازل، أو افتقد الأب ضمن حملة اعتقال طالت الكثيرين.

ومن الشيخ زويد إلى رفح الواقعة على الحدود مع قطاع غزة، تعاني العديد من الأسر في قرى المنطقة غياب الآباء، مما ترك الأبناء في حالة يرثى لها لدرجة أن زائر المنطقة والمتفقد لأحوالها لا يسعه التعبير حين ينظر في وجوه هؤلاء الأطفال المساكين, وإن حاول أن يطيل النظر فلا يملك إلا خفض عينيه سريعا كي لا ينظر في عيون أطفال تتساءل عن مصير آباء اعتقلوا في عقاب جماعي طال الصالح والطالح.

تسير في هذه القرية أو تلك فيقابلك هؤلاء الأطفال بعد أن اختفى آباؤهم وإخوانهم الكبار خلف جدران المعتقلات، ضمن الحملة العسكرية التي يقوم بها الجيش بحثا عمن يصفهم أحيانا بالمتشددين وأحيانا بالتكفيريين.

أسماء عديدة ووجوه مختلفة فرضت على كاميرا الجزيرة نت الوقوف أمامها في رفح المصرية, أطفال أبرياء فقدوا آباءهم, بل أصبحوا أبناء الإرهاب أو الإرهاب الصغير، كما وصفت بعض وسائل الإعلام المحلية آباءهم المعتقلين.

تتابع هؤلاء الأطفال فتجدهم يتجمعون في أوقات كثيرة من اليوم في مداخل ومخارج القرية، يحكون لبعضهم قصص اعتقال الأب أو الأخ الأكبر، وقد يأخذ بعضهم الحماس فيردد أناشيد جهادية (بدنا نعيش الحرية, الحرية الإسلامية).

المثير أن الأوضاع الحالية فرضت نفسها على هؤلاء الأطفال حتى في ألعابهم حيث بات أكثر لعبهم يدور حول معارك وهمية، تتحول فيها اليد إلى ما يشبه المسدس ويتكفل الفم بإخراج صوت يقلد صوت إطلاق النار.

عائلات معتقلين في حوار مع الجزيرة (الجزيرة)

اعتقال أسرة كاملة
تجولنا في عدة قرى لنقابل نماذج لعقاب جماعي أدى إلى اعتقال العديد من الأفراد من أسرة واحدة، قبل أن نجد نموذجا أكثر بشاعة يتمثل في اعتقال كل الذكور من إحدى الأسر لتبقى النساء من زوجة وأطفال وأم عجوز دون راع أو معيل.

ومع حزنها لاعتقال أسرتها فرحت الأم حين علمت أن صوتها سيصل للإعلام مع بداية شهر رمضان، فقالت لنا في حزن وهي تحتضن حفيدتها، "اعتقل الجيش من بيتي ستة أفراد، أولادي الأربعة من المسجد، واثنين من أحفادي من المنزل، ولم يكتفوا بذلك فأحرقوا سيارة أبنائي".

تضيف الأم أن أربعة أشهر مرت على ذلك دون أن تعلم الأسرة أي شيء عن أبنائها أو مكان اعتقالهم، بل ولا حتى ما إذا كانوا أحياء أم أمواتا.

وفي منزل آخر وجدنا أم خالد تعيش وطفلها وحدهما بعد أن اعتقل زوجها قبل ثلاثة أشهر، وتؤكد لنا أنها كغيرها لم تعد تطلب إلا معرفة مكان اعتقال زوجها وما إذا كان حيا أو ميتا.

تروي للجزيرة نت وطفلها بيدها مأساتها وفراق زوجها حين ذهبت تحضر له الطعام بعد أن أنهت عملها معه في أرض زراعية كانا يعملان بها معا بالأجر اليومي، ثم تفاجأت باعتقاله، وناشدت كل من لا يقبل الظلم أن ينظر لأهالي المعتقلين من سيناء بعين الرحمة ويشعر بهم.

في لوعة الانكسار والظلم تقول أم خالد "أتمنى أن أعيش على أمل أن زوجي حي على قيد الحياة ولا أطلب من الدولة أكثر من ذلك".

تضيف الأم أنها تتألم كثيرا عندما تجد أن ابنها الصغير أصبح يخاف من عساكر الجيش حين مرورهم من القرية أو على الطريق أثناء مرور مدرعات الحملات الأمنية, وتقول إن الشعور بالظلم بات يطول حتى الصغار.  

المصدر : الجزيرة