أشارت صحيفة ديلي تلغراف إلى أن واشنطن ولندن تجاهلتا تحذيرات استخبارية كردية لقرب انفجار الأوضاع في العراق، وفسر البعض هذا التجاهل باحتراق ورقة المالكي لدى الغرب، ورغبته في تأزيم الأوضاع لتحقيق توصية سابقة بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق.

محمد أمين-لندن

يبدو أن حالة الصدمة التي أعقبت التطورات المتسارعة في العراق، وفرار الجيش العراقي من العديد من المدن بعد سيطرة المسلحين عليها، لا تزال تطرح عديدا من التساؤلات ومحاولة الفهم في الداخل العراقي والإقليم وكذلك دوليا.

وتصاعد هذا الجدل بعد أن نشرت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية منذ يومين تقريرا كتبه مراسلها ريتشارد سبنسر، كشف فيه عن تجاهل المخابرات الأميركية والبريطانية تحذيرات كردية، باحتمال تعرض الموصل وبغداد لهجوم وشيك من مسلحين، والاستيلاء على مناطق واسعة من بغداد.

هذه الفرضية رجحها خبير عراقي طلب عدم الكشف عن اسمه، وعبر الخبير المقيم في لندن في حديثه للجزيرة نت عن اعتقاده بأن واشنطن ربما غضت الطرف عن هذا التحذير وتجاهلته قصدا، موضحا أنه لا يمكن أن يكون الأميركيون لا يعرفون ما يجري في الموصل تحديدا.

لأن الفصائل المسلحة التي اشتبكت مع الجيش العراقي هناك هي نفسها التي قاتلتهم، وهم يعرفونها جيدا، وبين أن الاستخبارات الأميركية تعرف عن قرب كثيرا من المعطيات، لكن ربما تفاجأ الأميركيون فقط من قوة الهجمة وسرعة انهيار الجيش الحكومي.

ويرى الخبير ترك واشنطن الأمور تنفجر يعود إلى قناعة أميركية ترسخت منذ 2007 عندما قدم جو بايدن تقريرا أوصى فيه بتقسيم العراق، وأن "الإدارة الأميركية منذ ذلك اليوم وهي تعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة بهذه النصيحة، وبالتالي غضت الطرف عن الانتهاكات الخطيرة التي كانت تحدث ضد مكون أساسي من الشعب العراقي، للوصول إلى هذا الانفجار".

 الرمضاني: المالكي احترقت أوراقه أميركيا وهو يستند لجماهير جاهلة (الجزيرة)

سوء تقدير
من جهته يرى مازن الرمضاني أستاذ العلوم السياسية ودراسات المستقبل والمحاضر في الشأن العراقي بالعديد من الجامعات البريطانية أن "ما جرى هو سوء تقدير أميركي بحت"، فواشنطن تعرف الوضع تماما، ولا يمكن القول إنها تفاجأت، لأن لديها مراكز استشراف مستقبل ذات خبرة، لكن حسب الرمضاني فإنهم لم يقدروا الأمور بدقة.

وحسب الأكاديمي العراقي فإن "الأميركيين كانت لديهم توقعات بأن يقوم ضابط بانقلاب عسكري، لكن الذي جرى لم تدركه واشنطن، وكان خارج حساباتها".

وأكد الدكتور الرمضاني أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي احترقت أوراقه أميركيا منذ زمن، وهو يستند فقط على جماهير "جاهلة ومضللة" وغير مدركة للواقع.

وبيّن أنه إذا استمرت الظروف على ما هي عليه فإن التقسيم الثلاثي قادم، وهو ما يهدد الدول الإقليمية الرئيسة "إيران وتركيا والسعودية"، وإذا قسم العراق فسيكون ارتداد هذا التقسيم هناك وقد تقسم هذه الدول.

الحرص الكردي على المالكي
وبالنظر لمضمون التحذيرات فإن جهاز مخابرات كردستان هو الذي أرسل التحذيرات للمالكي أولا، رغم الخلافات القائمة بين الجانبين، ما طرح تساؤلات عن دوافع هذا الأمر.

وفي محاولة لتفسير هذا الموقف الكردي المتخوف من سقوط حكومة المالكي، قال قصي المعتصم الخبير بالشؤون العراقية -الذي عمل لفترة في المنطقة العسكرية الكردية الشمالية والجنوبية- إنه وعقب مؤتمر أربيل 2010 دعم الأكراد المالكي بدلا من إياد علاوي الذي حصل على الأغلبية، لأنهم يريدون شخصا ضعيفا يحتاج لهم، وبالتالي يصبحون حجز الزاوية في تحالفه وصولا للانفصال التام.

 المعتصم: الأكراد كانوا يتخوفون من سقوط بغداد بيد قوى وطنية (الجزيرة)

وحسب تقدير المعتصم فإن إقدام الأكراد عبر مخابراتهم على تحذير المالكي -قبل خمسة أشهر من الآن- أولا وإرسال التقارير لواشنطن ولندن، لأنهم "كانوا يتخوفون من سقوط بغداد بأيدي قوى وطنية غير القوى الموجودة الآن، ووقتها سيخسون امتيازاتهم".

ويوضح المعتصم أن "الأكراد يعرفون أن من يأتي عقب المالكي سيكون لديه موقف عدائي ضدهم لأنهم وقفوا معه وضد مشروع الوحدة الوطنية".

ويرى المحلل السياسي أن "التحذيرات صحيحة على الأغلب، لأن الأكراد لديهم خبراء أمنيون ومستشارون إسرائيليون وأميركيون"، فهذه قاعدة إستراتيجية لأميركا تسيطر عبرها على خطوط إمداد الطاقة من جنوب روسيا للبحر المتوسط، وهذا الخط أيضا يوفر أرضية أميركية للضغط على روسيا.

ورغم أن هذه كلها فرضيات ومحاولات للتفسير، فإن الأمر الذي بدت معالمه واضحة حسب عديد من الصحف البريطانية التي غطت الموقف الكردي، هو سعي الأكراد للانفصال تماما.

ومن الجدير الإشارة إلى مقال باتريك كوكبرن الكاتب البريطاني بصحيفة الإندبندنت، الذي خلص في مقاله الثلاثاء إلى أنه "رغم محاولات كيري إقناع الأكراد بالوقوف جنبا إلى جنب مع بغداد، يبدو أن الأكراد وصلوا لقناعة أن العراق المتحد قد انتهى".

المصدر : الجزيرة