"العراق يشهد ثورة أججتها الطائفية والغلو الفكري واسترخاص الدماء"، لهذا خلص القيادي السلفي فخري القيسي الذي أدان "طائفية المالكي وتطرف تنظيم الدولة" في الوقت نفسه، وطالب باليقظة حتى لا يتم الالتفاف على ثورة الشعب.

محمد أمين-لندن

وصف الأمين العام لهيئة الدعوة والإرشاد السلفية بالعراق الدكتور فخري القيسي ما يجري في البلاد بأنه ثورة ضد الظلم والاستبداد، محملا ما أسماه "النهج الطائفي" لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي المسؤولية عن التطورات الأخيرة.

القيسي كان عضوا بلجنة كتابة الدستور 2005، وأحد مؤسسي مجلس الحوار، لكنه اليوم يحمّل العملية السياسية مسؤولية ما انتهى إليه الوضع المتفجر في العراق.

وفي حوار مع الجزيرة نت تحدث الرجل عن خطورة البعد الطائفي والانحراف الفكري والجهل والظلم الذي مورس لسنوات، على حد قوله.

ما أسباب الاحتقان في العراق؟

التشدد والطائفية مردهما الانحراف الفكري من أغلبية الأطراف واغترار كل ذي رأي برأيه، فالطرف الشيعي ظلم الباقين بعد أن اغتر بالحصة التي أعطتها له أميركا، وهذا أجج فتيل الأزمة.

كما أن هذه المحاباة الأميركية عمقت الشعور بالظلم لدى المكونات الأخرى، إضافة إلى أن عدم الالتزام بالثوابت والأصول من الجانبين -الشيعي والسني- أدى إلى تبرير القتل والانفجارات التي ندينها لأنها ليست موجودة في ثوابتنا، وقد مارسها الطرفان للأسف، فكيف يمكن تبرير قتل الأطفال والنساء في الأسواق؟

عدم الالتزام بالثوابت والأصول من الجانبين -الشيعي والسني- أدى إلى تبرير القتل والانفجارات التي ندينها لأنها ليست موجودة في ثوابتنا وقد مارسها الطرفان للأسف

من المسؤول عن وصول الاحتقان إلى هذه المرحلة من الانفجار؟

 الظلم والاستبداد من الحكومة وممارستها "الإرهاب"، وهذا الأمر بدأ منذ مجلس الحكم الانتقالي والحكومات المتعاقبة. وللأسف أيضا، فإن نخبا علمانية كإياد علاوي لم تنكر مبكرا الهتافات الطائفية التي رافقت معركة الفلوجة الأولى، إذ كان وقتها يلّوح للمقاتلين وهم يهتفون ضد السيدة عائشة، وهذا تأييد لشعارات طائفية.

أعتقد أن الظلم والاستبداد كان منهجا مخططا ودعمته أميركا من خلال جعل حكام العراق والمنطقة عموما يصعدون من ممارسة الظلم والضغط لتوليد الانفجار، وذلك بهدف إيجاد فوضى خلاقة وإعادة رسم خريطة المنطقة.

ما العوامل التي أسهمت في تصاعد ما أسميته بالظلم والاستبداد؟

أميركا والحكومات المتعاقبة وايران دعمت هذا الاستبداد، وطهران جنست قرابة مائة ألف إيراني بالعراق للعمل كجواسيس يدعمون أيضا الظلم والاستبداد، كما أن جهل العامة بحرمة الدماء سهّل القتل والتشفي وتبرير إزهاق أرواح النساء والأطفال بالأسواق والأماكن العامة.

كل هذه العوامل كانت وراء حمام الدم العراقي. وللأسف، فإن رئيس الوزراء نوري المالكي ذاته أزكى الطائفية، فالرجل كان لديه إيمان حقيقي بحتمية نشر التشيع بالعالم، والكفاح من أجل هذا الأمر. وأنا شخصيا قابلته إبان صياغة الدستور ونقاش مادة اجتثاث الأفكار البعثية والوهابية.

وبعيد اعتراضي وقتها على الصيغة العامة لهذه المادة، فوجئت بالمالكي يقول "لو أن الأمر بيدي لكنت صنعت جدارا بيني وبين السنة كما صنعت إسرائيل جدارا بينها وبين الفلسطينيين".

من الطرف الخفي في التفجيرات التي حصدت أرواح العراقيين من كل المذاهب؟

ارتهان المشاركين في العملية السياسية إقليميا أدى إلى فشلها وفشلهم وازدياد الاحتقان، كما أن الشركات الأمنية الأميركية افتعلت التفجيرات لتعزيز الفرقة، وواشنطن تعتمد في المنطقة على دولتين دينيتين متطرفتين هما إسرائيل وإيران، وهما شرطيا الشرق الأوسط الآن وجزء من العبث بالعراق.

ما تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام؟

هناك من يسميهم "خوارج"، وأنا لا أميل لهذا لأن أصول الخوارج تختلف عنهم. تنظيم الدولة يقول إن الأصل في الناس الكفر، بينما الخوارج لم يقولوا هذا، لكن الأفكار المتطرفة في الجانبين الشيعي والسني تولدت من الانحراف الفكري وأزكاها الظلم والاستبداد والجهل بحرمة الدماء.

الطائفية باعتقادي هي عقيدة يرثها الناس من الآباء والأجداد في ظل عدم التذكير والتبيان بالمطالب الأسمى للشريعة السمحاء التي تجرم التطرف، فالغلو يأتي من التركيز على الفروع بدل الأصول.

هناك ثوار عشائر يسيطرون على الأرض وقرابة 15 ألف مقاتل من فصائل المقاومة العراقية الإسلامية المعتدلة والتي لها الأثر الكبير في المعارك، إضافة إلى النقشبنديين القريبين من البعث

هل تنظيم الدولة يقود المعارك الآن؟

التنظيم لا يقود ولا يستطيع، لكن المظالم غير الطبيعة التي حلت بالناس جعلتهم يتعاطفون مع أي محرر يمكن أن يخلصهم. هناك ثوار عشائر يسيطرون على الأرض، وقرابة 15 ألف مقاتل من فصائل المقاومة العراقية الإسلامية المعتدلة، والتي لها الأثر الكبير في المعارك، إضافة إلى النقشبنديين القريبين من البعث.

وأسباب التقدم السريع جاءت لأن الجيش بُني على أساس مذهبي عجل من انهياره، فلا يمكن انتشار أربعمائة ألف جندي يضطهدون الناس في الأماكن التي يثور الشعب فيها، على خلاف الأميركيين الذين تركزوا في قواعد عسكرية محددة ولم يسيطروا على كل مكان.

ما سر قوة المالكي والدعم الدولي له رغم معارضة الكثير من القوى السياسية له؟

ما يهم أميركا بالعراق هو الاستثمارات النفطية بالجنوب التي يحرسها المالكي ومليشياته، وهذا هو سر عدم وضع "المليشيات الشيعية" على قوائم الإرهاب طالما أنها تحمي المصالح الغربية.

ثمن هذا البقاء بالمقابل هو السماح له بالاستمرار في تصدير التشيع. وفي وجهة نظري، فإن أميركا تستخدم المالكي لحماية الاستثمارات الأجنبية، بينما تستغله إيران لتصدير التشيع وتحقيق أهداف أمنها القومي.

لكني أعتقد أن مصالح أوروبا وأميركا وإيران أصبحت تقتضي تحجيم المالكي، وأعتقد أن إياد علاوي أصبح رجل طهران الأول.

ما مستقبل الوضع بالعراق؟

العمل العسكري ضد الحكومة الآن هو مقاومة وثورة شعبية حقيقية، لكن الخوف أن ينتهي البلد لما انتهت إليه سوريا، حيث لن ينتصر أحد في النهاية. يجب التوحد، لأن هناك محاولات دولية للالتفاف على الثورة في البلدين.

المصدر : الجزيرة