تتعدد أوجه المعاناة من انقطاع الكهرباء بسوريا، بين طالب يضطر للمذاكرة في ضوء الشموع وتاجر يضطر لإغلاق محله لتصل إلى امرأة تضطر لوضع مولودتها في الظلام دون رعاية طبية مناسبة.

سيلين أحمد-ريف دمشق

لا تتوقف معاناة السوريين من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة كل يوم، ولا تقتصر هذه المعاناة على الأمور المعيشية اليومية بل تمتد لأحداث استثنائية كما في هذه الحالة، عندما اضطرت نازحة سورية لوضع مولودها في الظلام وتحت إشراف طبيب بيطري.

وكأن الأب محمد الميداني قد أراد تخليد هذه اللحظة فأطلق على ابنته اسم "ظلام" أو لعله أراد التعبير عن تبرمه من انقطاع الكهرباء الذي بات يمتد في ريف دمشق لأكثر من 12 ساعة في اليوم الواحد.

وروى الجد معاذ الذي نزح مع أسرته إلى قدسيا قادما من بلدة عربين في ريف دمشق، قصة ولادة حفيدته "ظلام" فقال إن زوجة ابنه فاجأها المخاض قبل موعده بنحو أسبوعين، وذلك في منتصف ليلة غابت عنها الكهرباء.

ويضيف أن الأسرة حاولت استدعاء عدد من الأطباء، لكنهم جميعا اعتذروا خوفا من العتمة والحواجز العسكرية، وزاد الطين بلة عدم توافر أي مشاف قريبة.

طبيب بيطري
وبين تهكم الزوج وأنين الزوجة الذي تواصل لساعات، دفعت الخيارات القليلة بمعاذ البالغ من العمر 63 عاما لإحضار طبيب بيطري يقطن على مقربة منهم كي يكون منقذا لهم في تلك الأزمة.

وأضاف أن الولادة تمت أخيرا في سلام، لكن محمد كان متوترا للغاية، وتفاجأنا به يصرخ عقب الولادة بأنه سيسمي مولودته "ظلام"، ظننا أنه يمزح لكننا تفاجأنا في الأيام التالية بإصراره على هذا الاسم.

من جانبها رفضت والدة الطفلة هذا الاسم ليتسبب الخلاف بين الزوجين في تأجيل تسجيل المولودة رسميا في مديرية النفوس السورية، على أمل اختيار اسم ملائم لا يكون مرتبطا بانقطاع الكهرباء كما يقول جدها ساخرا.

تقول أم طارق إن ساعات انقطاع الكهرباء الطويلة عادت بالسوريين إلى الحياة البدائية، وتسببت بانقطاعهم حتى عن أخبار الحرب التي تعيشها بلادهم

ولا تتوقف القصص الغريبة التي نتجت من طول ساعات انقطاع الكهرباء، فأحمد المغربي ذو الأربعين عاما يضطر كثيرا لإغلاق محله المتواضع بسبب انقطاع الكهرباء، ولا يخفي غيرته من جاره أبو عزام في كل مرة يسمع فيها ضجيج المولد الكهربائي الذي يقوم بتشغيله في ساعات الانقطاع.

يقول المغربي إنه لا يقدر على السعر المرتفع للمولد ولا على نفقات تشغيله بسبب ارتفاع أسعار البنزين، ويضيف للجزيرة نت أنه اضطر بسبب الظروف إلى تغيير أوقات نوم أسرته بما يتناسب مع أوقات انقطاع الكهرباء، مع الأخذ بالاعتبار وجود مخاوف أخرى بينها انتشار السرقات في أوقات الظلام.

ولا يخفي المغربي شعوره بالألم بسبب معاناته ابنه طارق الطالب الجامعي الذي يضطر للاستعداد لامتحانات نهاية العام في ظل ضوء خافت غالبا قد يكون صادرا من الهاتف الجوال أو من مصابيح بدائية، فضلا عن معاناة أخرى مع أصوات القصف التي تتكرر بين الحين والآخر.

حياة بدائية
بدورها تقول أم طارق إن ساعات انقطاع الكهرباء الطويلة عادت بالسوريين إلى الحياة البدائية، وتسببت في انقطاعهم حتى عن أخبار الحرب التي تعيشها بلادهم.

وتتابع "أشعر أنني وعائلتي في مسلسل كوميدي بمجرد عودة الكهرباء، فالكل يتهافت بانتظار الاستحمام والغسيل وشحن الهواتف المحمولة، بالنسبة لي فأنا أمضي أوقاتي في العتمة من خلال الزيارات المتكررة للجيران، فقد اتفقنا أنا ونساء المبنى على وضع نظام للزيارات المتبادلة فيما بيننا كل مساء تبعا للتقنين".

في المقابل تقر أم طارق بأن لانقطاع الكهرباء المتواصل فوائد قليلة، فانقطاعها عن أخبار التفجيرات والقصف ساهم في استقرار مرض السكري الذي عانت منه على مدى عامين.

وتتابع حول حديث أقاربها وجيرانها الذي بات يتمحور حول الكهرباء، فالجميع جالس بانتظار عودتها وعودة بعض من تفاصيل حياتهم الطبيعية التي باتوا يخافون نسيانها.

المصدر : الجزيرة