عاطف دغلس-جنين

ذاع صيت القيادي في حركة الجهاد الإسلامي الشيخ خضر عدنان أكثر حينما أقدم على خوض إضراب مفتوح عن الطعام لـ66 يوما قبل أكثر من عامين، فسمي حينها بمفجر "معركة الأمعاء الخاوية".

تصدى الأسرى عقب هذه الحادثة لكل إجراءات الاحتلال وسجانيه القاسية بحقهم، فشرعوا بخوض إضرابات فردية وأخرى جماعية لتحقيق مطالبهم، ونجح فعلا أسرى إداريون بفرض شروطهم على الاحتلال عبر إضراباتهم، وتخلصوا من هذا الهاجس الذي يطاردهم منذ إطلاقهم كما حال الشيخ خضر نفسه.

في الحوار التالي يتحدث عدنان للجزيرة نت عن مفهوم الاعتقال الإداري والمستهدفين به وتجربته في الإضرابات، ملقيا من خلالها الضوء على الإضرابات الحالية للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

 من هو خضر عدنان؟
مواطن فلسطيني من قرية عرّابة بمدينة جنين شمال الضفة الغربية، عانى الأمرين في سجون الاحتلال نتيجة سياسة الاعتقال الإداري, أبي عامل في سوق الخضار، وأمي ربة منزل، متزوج ولدي من الأولاد ستة، أعمل الآن في مخبز أنشأته لنفسي كعمل حر لإيماني المطلق بأن الحر اقتصاديا حر سياسيا، خاصة أن هذه الاعتقالات المتكررة حرمتني إكمال دراستي العليا.

 كيف تعرف الاعتقال الإداري؟
هو اعتقال مزاجي عند ضابط المخابرات الإسرائيلي لكسر شوكة أي مناضل فلسطيني لا يستطيع الاحتلال إثبات أي تهمة بحقه، ويستهدف الشخصيات المؤثرة في المجتمع الفلسطيني والقيادات والأكاديميين وحتى طلبة العلم وغيرهم ممن لديهم القدرة على تحريك الشارع.

وتتذرع سلطات الاحتلال بالملف السري وترفض الكشف عن مصدر المعلومات حفاظا على سرية من نقله، وهم الجواسيس.

وأخذت إسرائيل هذا الاعتقال عن قانون الانتداب البريطاني على فلسطين، وهو يسمح لمخابرات أي دولة أو جهة باعتقال أي شخص ويمدد فترات اعتقاله لسنوات، ويزيد الاحتلال صلفه حين يخبر أحد المعتقلين إداريا منذ اليوم الأول لاعتقاله بأنه سيقضي على سبيل المثال سنتين ويقضي هذه المدة فعلا، وهذا يؤكد أن المحاكم التي يُعرض عليها الأسير صورية.

 هذا يعني أن الاعتقال الإداري أكثر عنصرية من غيره، فهل من مؤشرات ودلائل لهذه العنصرية؟

نعم، الذي يعتقل إداريا ولو مرة واحدة يبقى مهددا طيلة حياته بهذا الاعتقال، كما أن الاحتلال يتصيّد الفرص لاعتقال الأسير خاصة السعيدة منها أو الحرجة، فهم يُعتقلون عند الزواج والتخرج وولادة أطفالهم ولحظة وفاة أقارب الأسير كأمه وأبيه أو أحد من العائلة.

العنصرية تكمن بالملف السري الذي يوجه للأسير دون تهمة واضحة وأن تكون المحاكم صورية وأن يمنع أو يُؤخر الأهل عن الزيارة في غالب الأحيان، ويمنع الأسير نفسه من مقابلة محاميه.

كما تمدد سلطات الاحتلال اعتقال الأسير الإداري دون أن تحدد فترة زمنية لهذا الاعتقال، فربما تصل فترة حكمه لخمس سنوات أو أكثر، ويمدد الأسير الإداري أيضا بشكل فجائي ودون إخباره مسبقا، فعند انتهاء فترة حكمه ويكون بانتظار الإفراج يأتيه قرار بالتمديد.

الأسرى الإداريون معتقلون دون تهمة وبملف سري تملؤه لهم مخابرات الاحتلال (الجزيرة)

مشوار الإضرابات
 كيف بدأت مشوارك في الإضراب عن الطعام في السجون؟
اعتقلت عند الاحتلال ثمان مرات بأحكام متفاوتة تجاوزت الخمس سنوات جزء منها بالاعتقال الإداري، واعتقلت أيضا لدى الأمن الفلسطيني عدة مرات وخضت أول إضراب عن الطعام في سجن أريحا لمدة ثمانية أيام عام 1999 وكان الاعتقال سياسيا في حينها. كما أضربت مرة أخرى في سجن المخابرات الفلسطينية ولمدة 12 يوما في اعتقال مشابه.

 إذا كانت بدايات إضرابك في سجون السلطة فماذا عن الإضراب عند الاحتلال؟
أما اعتقال وإضراب سجون الاحتلال فقد شكل اعتقالي الأخير في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 فشلا للاحتلال الإسرائيلي لأنه أتى بعد سبعة أشهر من المطاردة. وفي اليوم التالي لاعتقالي أعلنت إضرابي عن إطعام، وكان هذا الإضراب ناجما عن سوء معاملة السجان وهمجيته أثناء اعتقالي والاعتداء علي بالضرب وشتمي بعنف أثناء التحقيق. وبداية لم يكن إضرابي بسبب الاعتقال الإداري لأني أعطيت إقرارا بهذا الاعتقال بعد 23 يوما من إضرابي، وكنت حينها فيما يسمى بسجن مشفى الرملة. لكن حين أخبرتني مصلحة السجون بأني رهن الاعتقال الإداري شعرت بفرحة عارمة لأنه صار لدي ذريعة أخرى للإضراب قوية وفعّالة.

 هنا أطلق عليك لقلب مفجر معركة "الأمعاء الخاوية" داخل السجون، فهل أنت من أعاد للإضراب معناه بعد انقطاع طويل؟ وكيف شرعت بإضرابك؟

آخر إضراب عن الطعام خاضه الأسرى الفلسطينيون بهدف تحسين أوضاعهم داخل المعتقلات كان عام 2004 وفشل ولم يحقق نتائجه، في تلك الفترة كنت معتقلا وشرعت وأسير آخر بإضراب ثان استمررنا لـ28 يوما إلى أن تحققت مطالبنا بإخراجنا من العزل.

ومنذ تلك اللحظة لم يعلن أي من الأسرى إضرابا عن الطعام إلا في العام 2010 حين خاض أسرى من الجبهة الشعبية إضرابا مطالبين بالإفراج عن زعيمهم الأسير أحمد سعدات، ولكنه لم يأخذ مداه وتراجع دون تحقيق أي نتائج.

أما أنا وبعد اعتقالي الأخير عام 2011 فأضربت عن الطعام رفضا لممارسات الاحتلال الهمجية بحقي، وكنت قد همست في أذن الكثيرين بأني سأضرب إذا اعتقلت، ولكن أحدا لم يكترث.

وحين شرعت بإضرابي لم أتناول الطعام ولم أخبر أحدا بأني مضرب، وهنا تكمن العقدة أو الحبكة، فإذا أراد الأسرى أن ينجحوا بأي إضراب فعليهم ألا يبوحوا بذلك وأن يباشروا به دون مقدمات.

ولمّا أضربت لم أطلب طعاما ولا شرابا ولا حتى ملحا، بل امتنعت عن الحديث مع السجانين أيضا، وهذا ما أثار حفيظة جنود الاحتلال وغضبهم وهددوا بمعاقبتي. في اليوم الثالث عشر لإضرابي أوقف الاحتلال التحقيق معي ونقلوني لمشفى سجن الرملة فانتابتني نشوة الانتصار.

عدنان أثناء مشاركته في التضامن مع الأسرى الإداريين المضربين عن الطعام في فعالية نظمت بمدينة نابلس (الجزيرة)

دعم المضربين
 هل كان إضرابك بدافع شخصي؟ وعلام استندت تحديدا؟
كان الإضراب بدافع شخصي بامتياز، وكان إخوتي بالخارج وأهلي وزوجتي خير نصير لي حتى اقتنع التنظيم الأول والتنظيمات الأخرى والقرية والجيران ثم المدينة والمحافظة والنشطاء بفلسطين وخارجها.

كان لزوجتي موقف يشهد لها به حين ردت على مفتى مصر السابق الذي قال "إن خضر عدنان يقدم على الانتحار وعليه أن ينهي إضرابه" بالقول "لا يفتي قاعد لمجاهد"، وهذا كلمة من امرأة حرة تغار على زوجها وعلى إضرابه وترفض أن يكون أحد عونا للاحتلال عليه.

كما لا أنسى كيف انتفض والدي وتظاهر وحده برام الله، ولا أنسى دمعات أمي ودعواتها الحرة في الأيام العصيبة.

 أضربت 66 يوما، حلت قضيتك وحدك ولم تحل قضية الأسرى الإداريين عموما؟
من فوائد ذاك الإضراب أنه فجر الإضرابات الأخرى لدى الأسرى، وعلى العكس، فقد ساهم إضرابي بالكشف مجددا عن معاناة الاعتقال الإداري ومأساته، وقد تدنت أعداد المعتقلين بعده، ولكن لم يوقف الاحتلال هذا الاعتقال، ولا يمكن إنهاؤه بضربة واحدة.

 ماذا يعني أن يضرب الأسير عن الطعام؟ خاصة الأسير الإداري؟
هي ملحمة ومعركة وتشكل انكسارا أو انتصارا للأسير بمجرد إعلانها، لأنه وضع نفسه وشعبه بموقف المقاوم، وأي انكسار يكون بسببه وبسبب سوء تقديره وقلة إمكاناته، وأي انتصار يسجله أي أسير على الاحتلال يُسجل لشعبه، فهو لم يخش بل يصعد كل يوم ويزيد عدد المضربين.

وكلما استمر الاضراب زاد العناد أكثر، وبالتالي تعتمد قوة الأسير وصموده على دعم شعبه له، ولذا كان شعوري بقوة الأمل في الانتصار وتحقيق مطالب في اليوم الـ65 أكثر من سابقه، رغم أني وصلت للموت لحظتها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أمر هام، وهو أن السجّان لا يتوقع من الأسرى المضربين أحد أمرين إما الموت وإما التنازل، وهذا الثاني يعني أن الأسير ربما يأخذ بعض المدعمات كالحليب مثلا ويقنع نفسه بأنه مضرب.

 منذ أن يشرع الأسير بالإضراب هل تحاول سلطات السجن مراوغته؟ وبوضوح أكثر هل تنتقل لمعاقبته إذا لم تجد المراوغة نفعا؟
لا يبالي السجانون في بادئ الأمر بوضع الأسير وإضرابه، إلا أن ثباته وصموده يجعلهم يرضخون، وفي الأيام الأولى تبدأ المراوغة بإحضار مرشدين نفسيين وضباط المخابرات كنوع من الضغط.

كما يتجه الاحتلال لاستخدام القوة إن لم تجد نفعا "الأساليب الناعمة" وأحيانا يتم محاكمته بشكل خاص ويمنعون زيارتهم بالقوة ويسحبون بعض الخدمات كالراديو والتلفاز ويعاقبون الأسرى بإبعاد المياه عنهم.

وأكثر ما يؤرق الأسير المضرب تنقلاته من سجن لآخر التي يكثرها الاحتلال أثناء الإضراب، حيث يقيده بالحديد خاصة بالقدمين لمضاعفة معاناته، إضافة لاعتداءات السجانين ولا سيما قوات النحشون (الخاصة بنقل الأسرى للسجون).

أضف إلى ذلك الاقتحامات المفاجئة لغرف الأسرى المضربين وسجن الأسير غير المضرب مع المضرب ويضعون الأطعمة ذات الرائحة ويعمدون لتناقل أخبار كذابة بأن الأسرى في سجن آخر أنهوا إضرابهم، كما يأتون أيضا ببعض القيادات بالسجن ولا سيما من قيادة تنظيم الأسير للضغط عليه وفك إضرابه وإقناعه بأن أسرته ستعاني عقب وفاته وهكذا، علاوة عن دور بعض المحامين "السلبي" في تثبيط معنويات الأسير.

 من ناحية فيزيائية وصحية أيضا، كيف يكون أثر الإضراب عن الطعام على جسم الأسير المضرب؟
تتعمد سلطات السجون وضع الطعام مما لذ وطاب أمام الأسير المضرب، حيث يقدم الطعام الساخن وذو النكهات الخاصة، وحينها صارت تفرز المعدة عصارات لا إرادية، وهنا على الأسير أن يشيح بنظره عن الطعام.

أصبح جسمي في الأيام الأولى للإضراب هزيلا، وتناقص وزني، وأصابني ضعف وهبوط بالسكر، وارتفاع بضغط الدم، وبقيت على هذا الحال لليوم الـ38 حيث صرت أتقيأ العصارات التي تفرزها المعدة، وبقي الحال عليه لليوم الـ58 حيث عانيت آلاما حادة جدا كدت أفقد حياتي، حتى إنهم أحضروا لي أطباء للكشف عن حالتي خشية حدوث أي مضاعفات، بعد هذا الحادث ارتحت قليلا وكان لدي نفس جديد لاستمرار الإضراب لـ66 يوما.

 الإضراب عن الطعام وسيلة أم هدف لتحقيق مطالبهم؟
الإضراب وسيلة لا يطلبها أو يحبها أحد، وإنما هي خطوة يتردد بها الأسير كثيرا، فهي مرهقة ومتعبة، ليس له فقط وإنما لأهله الذين يعيشون قلقا مخيفا، ولذا فإن الإضراب سلاح خطير، وإذا ما خاضه الأسير فعليه المضي به قدما وتحمل كل الظروف حتى الانتصار.

الأهالي يتضامنون مع أبنائهم ويرفضون الاعتقال الإداري (الجزيرة)

صمود الأسرى
 هل كل أسير قادر على الإضراب عن الطعام؟ ومن أين يستمد صموده؟
كل أسير أو أسيرة يستطيع أن يصنع ملحمة بطولية يرفع بها رأس شعبه ونحن لسنا أول من خاض الإضراب فهناك من أضرب واستشهد وانتصر من الأسرى والأسيرات، ويستمد الأسير عزيمته من دينه وإيمانه المطلق بنصر الله وثانيا شعوره بنشوة الانتصار على السجان إذا ما حقق مطالبه.

 ما الذي يثبط معنويات الأسرى المضربين وعزيمتهم؟
يختلف الأمر من أسير لأسير، وهناك من الأسرى من يسبح بعكس التيار ولا يضرهم من خذلهم أو انتقص من حقهم.

ورغم التحقيق القاسي يعيش المعتقل الإداري حالة نفسية ومعنوية أعلى من المحكوم، لأنه يشعر أنه انتصر على السجّان وضباط المخابرات الذين لم يثبتوا أي تهمة بحقه.

كيف يمكن للأسير خاصة المضرب أن يجعل العالم الخارجي يتضامن معه وهو داخل المعتقل؟

على الأسير أن يحسن خطاب العالم الخارجي من أهله وأقاربه والمؤسسات الحقوقية والإنسانية والقيادات الرسمية والشعبية محليا وعالميا ويشرح قضيته بحذافيرها ويستفز أي كرامة عند أي شخص بالعالم. والتضامن مع الأسرى موجود ولكن "على استحياء"، وشخصيا شاركت بفعاليات كثيرة طوال أيام الإضراب.

 هل ترى أن يقدم أي أسير على الاعتراف بأي تهمة على أن يحول للاعتقال الإداري؟
لا على الإطلاق، على الأسير أن يصمد ويقاوم الاعتقال، وأنا ضد القول السائد بأن الاعتقال الإداري جريمة وكأن باقي الاعتقالات ليست جرائم احتلالية.

 هل تتوقع أن يتوقف الاعتقال الإداري؟
لا يوجد شيء مستحيل بإرادة الله، وما لم يحدث الآن أو في الماضي لا يعني أنه لن يحدث بعد قليل أو في المستقبل.

 في الختام تحدث لنا عن تفاصيل الصفقة التي أنهيت بموجبها إضرابك الذي استمر 66 يوما وانتصرت فيها على السجان؟

أنا أضربت من 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 ورفضت القبول بأي شيء دون الحرية واستمرت مراوغات الاحتلال وضغوطه طيلة تلك الأيام كلها، وفي اليوم 65 حضر محامي نادي الأسير جواد بولس لي في مشفى آساف هاروفيه داخل إسرائيل وكان يحمل بجعبته خيار التوقف عن الإضراب مقابل الحرية، وفعلا وفي ساعات الفجر الأولى من ذاك اليوم وافقت المخابرات الإسرائيلية على الإفراج عني بانتهاء فترة التمديد الأولى فقط أي الاكتفاء بمدة الحكم وهي أربعة أشهر.

لكنهم أرادوا احتساب المدة من بعد صدور الحكم وليس من بداية الاعتقال، فرفضت ذلك وأخبرتهم أني إذا تجاوزت عتبة السبعين يوما من الإضراب فلن أقبل بأقل من تحرري الفوري وليس التمديد لانتهاء فترة الحكم، فوافق الاحتلال على ذلك، ورضخ لمطالبي، وتحررت في يوم 17 أبريل/نيسان 2012 وكانت مناسبة يوم الأسير الفلسطيني، فوقع الخبر على الاحتلال كالصاعقة.

المصدر : الجزيرة