تعد المبادرات الخاصة لدعم مرشح السلطة في الانتخابات الرئاسية ظاهرة يعرفها الموريتانيون جيدا، فهي ترافق عادة كل انتخابات رئاسية كشكل من أشكال التعبئة الجماهيرية, حيث يتفنن أصحابها في اختيار أسماء مبادراتهم والشعارات الرنانة الداعمة لمرشحهم.

حسن الصغير-نواكشوط

"الوفاء", "العهد الصادق", "النصر والنجاح", "أوفياء", "من أجل غد أفضل", "موريتانيا أمانة في أعناقنا" عناوين مبادرات خاصة أطلقها أصحابها من رجال المال والسلطة والقبائل والمهنيين لحشد الدعم والتعبئة للمرشح الرئاسي الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز.

والمبادرات الخاصة لدعم مرشح السلطة في الانتخابات الرئاسية ظاهرة يعرفها الموريتانيون جيدا، فهي ترافق عادة كل انتخابات رئاسية كشكل من أشكال التعبئة الجماهيرية, حيث يتفنن أصحابها في اختيار أسماء مبادراتهم والشعارات الرنانة الداعمة, وتأجير محل بأحد الشوارع الرئيسية أو المناطق القريبة من وسط المدينة، سواء في العاصمة نواكشوط أو المدن والقرى الداخلية, ويتم تزيينه بصور مرشح الحزب الحاكم وتعداد إنجازاته.

وتتولى هذه المبادرات تنظيم مهرجانات انتخابية وإحياء سهرات فنية لحشد الدعم للرئيس المنتهية ولايته, ورغم أن هذه الانتخابات الرئاسية يتنافس فيها خمسة مرشحين فإن المبادرات الخاصة اتجهت فقط لدعم الرئيس المنتهية ولد عبد العزيز، وهو ما يراه بعض المحللين خلطا بين الحزب الحاكم والدولة لأن أصحاب المبادرات يسعون إلى تسجيل الحضور والمشاركة حتى لا تنسى الدولة نصيب منطقتهم أو قطاعهم المهني أو قبيلتهم من التنمية.

ولا يمنع القانون الموريتاني هذه المبادرات ولا يتدخل حتى في تنظيمها لأنه يعتبرها مبادرات "عفوية" أطلقها أصحابها للتعبير عن رأيهم ومساندة مرشح يرونه الأفضل لقيادة البلاد, لكنك عندما تسأل بعض الموريتانيين يؤكدون لك أن جزءا كبيرا من هذه المبادرات يتم بإيعاز من قيادات في الحزب الحاكم أو متنفذين في النظام ككل.

إحميادة: المبادرات تعبر عن قضية أساسية وهي علاقة الدولة بالمجتمع (الجزيرة نت)

الدولة والمجتمع
وفي تحليله لهذه الظاهرة يقول الخبير في علم الاجتماع محمد ولد إحميادة إن هذه المبادرات تعبر عن قضية أساسية في موريتانيا وهي علاقة الدولة بالمجتمع, وتأتي عادة لتعويض الأحزاب السياسية في مجال الحشد والتعبئة باعتبار أن الأحزاب غير قادرة على تعبئة واستيعاب كل الناس.

ويضيف في تصريح للجزيرة نت أن القبائل والمجموعات والمناطق والمهنيين يريدون التعبير عن هويتهم الذاتية خلال هذه المناسبات، حيث إن هذه الظاهرة موروثة من الدولة الاستعمارية زمن الاحتلال الفرنسي عندما كان الناس ينظرون إلى الدولة الاستعمارية كريع ومقدمة خدمات، لذلك تتنافس المجموعات في الحصول على نصيبها من هذه الخدمات, ورغم نهاية الاستعمار وقيام الدولة الوطنية فإن هذه العلاقة ما زالت قائمة في اللاشعور.

ورغم التقدم والتطور العلمي والتكنولوجي فإن المجتمع الموريتاني -حسب ولد إحميادة- ما زال يعتمد على آليات التعبير التقليدية لأن المجموعات القبلية التي تريد جلب انتباه الدولة لها ولمشاكلها لا تريد الانخراط  في الأحزاب السياسية، لأن ذلك يعني ذوبان خصوصياتها وهويتها وغياب انتباه الدولة لها، لذلك تفضل أن تنظر السلطة والمرشحون السياسيون لها على أنها مجموعة لها دَيْن لدى الدولة.

محمد أحمد: الحزب الحاكم يحرك المبادرات لتقليل تأثير مقاطعة الانتخابات (الجزيرة نت)
ويختم الخبير في علم الاجتماع أن مسؤولية تحديث العلاقة المعقدة بين الدولة وهذه المجموعات تقع على النخبة السياسية التي يرى أنها ما زالت حتى الآن فاشلة في تجديد العلاقة بين الدولة والمجتمع.

الحزب الحاكم
في المقابل، يرى الباحث في علم الاجتماع محمد المختار محمد أحمد أن الحزب الحاكم هو من يحرك في الواقع هذه المبادرات بهدف الحد قدر الإمكان من تأثير مقاطعة جزء كبير من المعارضة, وهو ما بات يهدد بنسبة مشاركة ضعيفة قد تحرج النظام.
 
كما أن هذه المبادرات تمثل إستراتيجية يعتمدها الحزب الحاكم لتحديد الموالين والمناوئين، بحسب  المتحدث نفسه.

ويضيف في تصريح للجزيرة نت أن منظمي هذه المبادرات -التي تترافق عادة مع الانتخابات الرئاسية- يسعون لنيل الحظوة لدى الرئيس الذي سيفوز حتما حتى ينالوا نصيبهم من المكافآت, ويظلوا قريبين من دوائر السلطة في البلاد.

وختم أن هذه المبادرات -ورغم أن بعضها يعكس فعلا الخصوصية الموريتانية القريبة من ثقافة البداوة- تدل على انخراط المثقفين الموريتانيين في منظومة دعم ولد عبد العزيز بالانتخابات الرئاسية رغم وجود مرشحين آخرين لهم أيضا أنصار وأحزاب تقف وراءهم.

المصدر : الجزيرة