بعدما نجى من الموت مرتين، يروي السوري أبو مصطفى للجزيرة نت تجربته القاسية مع هجمات الكيميائي وفراق الأهل ومعايشة ظروف الحصار والجوع، ويقدم شهادة عن تجار الحياة الذين يهرّبون المدنيين إلى مناطق آمنة مقابل مبالغ مالية بالتنسيق مع قوات النظام.

سيلين أحمد-ريف دمشق

250 ألف ليرة سورية كانت كفيلة بإنقاذ حياته من موت محتم في بلدة زملكا بريف دمشق. لم يخطر على بال أبو مصطفى أن ينجو برفقة أسرته من الحصار الذي فرضته قوات النظام السوري على البلدة في سبتمبر/أيلول 2012.

لكن "جماعات التهريب" كما سماها تكفلت بنقله ليلا إلى مكان آمن، بعد أن زرحت البلدة تحت الحصار طيلة أكثر من عشرين شهرا.

لم يمض على نزوح أبو مصطفى (33 عاما) إلى بلدة ضاحية قدسيا بريف دمشق إلا ثلاثة أشهر.. تلك البلدة التي باتت مكانا آمنا من القصف والجوع للعديد من السوريين بعد سيطرة النظام عليها.

فقد أبو مصطفى والديه في أحد الأيام جراء قصف الطائرات الذي طال بلدة زملكا العام الماضي، وكاد الموت يحل به وبزوجته وأطفاله الثلاثة جراء الهجوم بالغازات السامة يوم 21 أغسطس/آب 2013.

أبو مصطفى فقد والديه جراء قصف الطائرات، وكاد الموت يحل به وبزوجته وأطفاله الثلاثة جراء الهجوم بالغازات السامة

مدينة أشباح
يتحدث أبو مصطفى للجزيرة نت عما عايشه، وقال إنه عانى من الحصار بمختلف أنواعه وعايش هجمات الكيميائي وقصف الطيران الحربي، وهرب من زملكا بعدما أصبحت أقرب إلى مدينة أشباح، ليضيف "أعتقد أنني كنت محظوظا وعائلتي لبقائنا على قيد الحياة".

عمل سائقا لإحدى الحافلات في مؤسسات الدولة، ومع بداية الحصار على بلدة زملكا كان من القلائل الذي سمح لهم بالخروج والدخول، مما سهل عليه إدخال بعضٍ المواد الغذائية خفيةً طيلة أربعة أشهر.

غير أن شبح الجوع بات يلاحق أسرته ومنعه عناصر النظام لاحقا من الخروج، فلجأ إلى الزراعة كالعديد من أهالي البلدة عله يجد ما يبقيه على قيد الحياة.

ما زال أبو مصطفى يذكر ليلة الكيميائي كما سماها، إذ استيقظ برفقة أسرته في الوحدة الطبية بعد إغمائهم وإسعافهم من قبل أحد الجيران.

شاءت الصدفة أن يلتقي أبو مصطفى بشخص في منزل صديقه بالبلدة، عرض عليه التهريب لقاء خمسين ألف ليرة سورية (295 دولارا) عن كل شخص من أفراد عائلته.

يروي أبو مصطفى ذلك اللقاء قائلا "طلب مني أن أناديه أبو عمر، لم يعرفني عن ارتباطه بأي جهة، وطمأنني ألا أسدد المبلغ إلا حين وصولي سالما خارج البلدة".

عائلة أبو مصطفى نجحت في اجتياز أربعة حواجز عسكرية نظامية دون أن تعرف حقيقة الأسباب وراء ذلك

شراء الحياة
اختار أبو مصطفى أن يغامر على أن يبقى، فباع منزله الوحيد لأحد تجار العقارات لقاء 400 ألف ليرة سورية.. أدرك جيدا مدى الاستغلال الذي تعرض له من قبل تاجر العقار، لكنه في المقابل فضل المحاولة لشراء حياة جديدة، على حد قوله.

يروي أبو مصطفى تفاصيل هروبه من البلدة في ليلة 14 فبراير/شباط الماضي قائلا "خرجنا من المنزل فارغي الأيدي، رأيت أبو عمر بجانب منزلي كما اتفقنا، وبدأت رحلة سيرنا على الأقدام في عشوائيات لم أعرفها من قبل".

بعد ذلك تنقل مصطفى وعائلته من مكان إلى آخر، وفي كل مرة كان يستلمهم أشخاص مختلفون وملثمون، مما أشعره بالرعب والخوف على أطفاله وزوجته، ليضيف أنهم أحسوا بخطر كبير لدى محاولتهم تجنب أحد قناصي النظام.

مرت أربع ساعات دون أن تهدأ خفقات قلوب عائلة أبو مصطفى، وعندما أوشكوا على الوصول إلى أول حاجز للقوات النظامية عند مدخل البلدة الواقع على طريق المتحلق الجنوبي، استبقهم أبو عمر ورتب عملية الهروب مع عناصر النظام.

نجحت العائلة في اجتياز أربعة حواجز عسكرية نظامية دون أن تعرف حقيقة الأسباب وراء ذلك. وبعد تسديده ثمن تهريبه توجه أبو مصطفى إلى منزل أحد أقاربه في بلدة ضاحية قدسيا ليبدأ حياته من جديد، ويعمل سائقا عموميا في سبيل إعالة أسرته.

ما زال أبو مصطفى يستيقظ على كوابيس الحصار القاسية منذ خروجه من البلدة، فمن الصعب عليه تقبل نجاته من الموت مرتين، على حد قوله.

المصدر : الجزيرة