يتعمق الخلاف في الوسط السني بلبنان مع اقتراب استحقاق انتخاب مفتٍ جديد للطائفة السنية، بعدما بات على الساحة مجلسان شرعيان أحدهما منتخب والآخر ممد له، وسط تجاذب سياسي بين المجلسين يعكس التجاذب على الساحة السياسية في الدولة.

علي سعد-بيروت

تقف الطائفة السنية في لبنان على أعتاب أزمة داخلية إثر التجاذب بين مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني وتيار المستقبل الذي يقوده رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، حيث تقف دار الإفتاء وسط هذا الانقسام على أبواب انتخاب مفتيين للجمهورية مع انتهاء ولاية المفتي الحالي يوم 14 سبتمبر/أيلول المقبل.

وكان الانقسام بدأ مع تسهيل المفتي قباني وصول رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي إلى رئاسة الحكومة ليحل مكان الحريري الذي أسقط حزب الله وقوى 8 آذار حكومته عام 2011.

مجلسان شرعيان
بعد تشكيل ميقاتي الحكومة توالت الأحداث وتأزمت العلاقة بين المفتي والمستقبل، فانتخب المقربون من قباني مجلسا شرعيا أعلى جديدا، بينما مدّد مناوئوه للمجلس القديم.

المجلس الشرعي الممدد له طلب من تمام سلام إجراء انتخابات مفتٍ جديد (الجزيرة)

ولم يكتف الفرقاء المتنازعون على الشرعية بمجلسين شرعيين، بل دعا رئيس المجلس الشرعي المنتخب الشيخ هشام خليفة إلى انتخاب مفتٍ جديد يوم 31 أغسطس/آب القادم، في حين طلب المجلس الممدد له من رئيس الحكومة تمام سلام الدعوة إلى انتخاب بديل لقباني.

وأوضح الشيخ خليفة للجزيرة نت أن الدعوة إلى الانتخاب جرت بناء على أسس قانونية وضمن المهلة التي يمكن خلالها إجراء الانتخابات، مشيرا إلى أنه "لم يكن من الممكن الانتظار أكثر بالدعوة لإعطاء المفاوضات وقتا أكبر خوفا من انقضاء المهلة القانونية".

لكن خليفة أكد أن "باب التفاوض لا يزال مفتوحا والحلول ما زالت ممكنة، خصوصا إذا جرى التفاوض بمعاونة الأشقاء العرب"، داعيا إلى القبول بالحل الذي قُدم على أساس "انتخاب مجلس شرعي جديد يحل مكان المجلسين الموجودين حاليا، ويقوم هذا المجلس بانتخاب مفتٍ جديد".

على الجانب الآخر، يعتبر مناوئو المفتي أن القرارات التي اتخذت مؤخرا من توسيع الهيئة الناخبة إلى الدعوة لانتخاب مفتٍ هي قرارات منعدمة الوجود، وتأتي ضمن سيناريو مركب مسبقا.

وقال المحامي محمد المراد عضو المجلس الشرعي الممدد له (مقرب من تيار المستقبل)، إن أي حل للإشكال في دار الفتوى لا يمكن أن يتم إلا عبر اعتماد الوسائل القانونية، ومنها الطلب الذي قدمه المجلس الشرعي إلى رئيس مجلس الوزراء تمام سلام لإجراء الانتخابات.

لكن مصادر رئيس مجلس الوزراء أبلغت الجزيرة نت بأن سلام ملتزم بمسودة البنود التي جرى الاتفاق عليها في اجتماعه الأخير مع رؤساء الوزراء السابقين والمجلس الشرعي الممدد له والتي بقيت سرية.

المفتي قباني يتعرض لحملة انتقاد حادة
لا تتناسب مع رمزيته الدينية
 (الجزيرة)

نبرة حادة
في هذا الوقت جرى رفع سقف الخطاب ليصل حدا مرتفعا جدا من الاتهامات والكلام الذي وُجه للمفتي، رغم أنه من قادة البلاد الروحيين الذين يعتبر مقامهم مقدسا في لبنان ولا يجوز المس به.

واتهم المراد في حديث للجزيرة نت المفتي بالعمل ضمن مخطط يقوده حزب الله لضرب وحدة الطائفة السنية، وضرب مقام مفتي الجمهورية على مراحل، مبديا أسفه "لأن المفتي اختار أن يكون في نهاية ولايته جزءا من هذا المشروع، ويتصرف وكأن لديه قوة اكتسبها من انتسابه إلى سرايا المقاومة".

ورغم أن كلام المراد يوحي بأن "شعرة معاوية" قد قُطعت مع المفتي، أوضح خليفة أن تيار المستقبل هم أبناء دار الإفتاء ومن قادة الشارع الإسلامي، لكن عليهم أن يسلموا أنه حتى اللحظة فإن قباني هو مفتي الجمهورية، داعيا إلى الابتعاد عن النبرة الحادة في الخطاب والتي قد توصل إلى طريق اللاعودة.

وتبادل الطرفان الاتهامات بشأن العمل على استغلال الوقت، فبينما تخوف المقربون من المفتي قباني من أن يكون التفاوض سبيلا لتضييع الوقت، وبالتالي تضييع الانتخابات بعد أن تكون المهلة القانونية قد انتهت، اتهم مناوئو المفتي بأنه تعمّد تضييع الوقت في القبول بالمبادرات التي طُرحت.

وقال الشيخ خليفة إن "البعض يراهن على الوقت لإسقاط كل المبادرات التي تُطرح، لإعادة الأمور إلى المربع الأول بعد انتهاء ولاية المفتي".

المصدر : الجزيرة