في غفلة من السلطات، استوطن داء السرطان قرية المصينعة بجنوب اليمن وأحال حياة سكانها إلى جحيم، إذ يزف شبابهم إلى المقابر ويكتب الإعاقة على أطفالهم، فيما يظل السبب مجهولا للأهالي الذين وحدت المآسي مشاغلهم وهمومهم.

سمير حسن-شبوة

قبل أسابيع ودع الطفل أحمد عبد الله الحياة بعد صراع مرير مع مرض السرطان، تاركا خلفه حكاية إنسانية قد تظل سنين طويلة في ذاكرة أهالي قرية المصينعة بمحافظة شبوة جنوبي اليمن التي تعج بمآسٍ وقصص مؤلمة لضحايا هذا الداء الخبيث.

كانت الدموع تنهمر من عيني والده وهو يروي للجزيرة نت كيف تحول ابنه في السابعة من عمره إلى جثة هامدة بين يديه وأصبح اسما في قائمة ضحايا السرطان بعد أن عجز عن متابعة علاجه بسبب الفقر.

قصة صراع أحمد مع المرض بدأت قبل عامين، حين أصيب بسرطان في الفخذ وأجريت له عمليتان لاستئصال الورم، لكن حالته ظلت تسوء ولم يعد جسده الغض يستجيب للعلاج، فأوصى الأطباء قبل ثمانية أشهر بضرورة الإسراع بنقله للعلاج في الخارج.

ويقول الوالد إن ابنه ظل يصارع الألم ويواجه الموت بعد انتشار المرض في أجزاء كبيرة من جسمه منذ خروجه من المستشفى نظرا لعدم تمكنهم من توفير مبلغ 18 ألف دولار لتغطية نفقات السفر للعلاج في الخارج بعد فشل جميع مناشداته للمسؤولين في مد يد العون له لإنقاذه.

الفقر يمنع مرضى السرطان في القرية من متابعة علاجهم بالخارج (الجزيرة) 

ورغم أن كل شيء يبدو طبيعيا لمن يدخل قرية المصينعة التي يقطنها نحو 5000 نسمة، يتحدث سكانها عن رعب وخوف جراء تفشي الأورام السرطانية بينهم والتي راح ضحيتها حتى الآن أزيد من 60 شخصا، فيما لا تزال الأسباب مجهولة.

الموت بصمت
ومن بين الضحايا من هاجر إلى مناطق بعيدة بحثا عن علاج، فيما فضل آخرون الموت بصمت داخل القرية كحال أسرة فريد رويس التي فتك السرطان بأربعة من أفرادها واحدا تلو الآخر في فترات زمنية متقاربة.

أما غيث مبارك -وهو طفل في الخامسة- فقد انتقل إلى عالم الإعاقة بعد أن فقد عينيه إثر إصابتهما بأورام سرطانية اضطرت الأطباء لاستئصالهما بعد رحلة علاجية بدأها قبل عامين في صنعاء وانتهت به مؤخرا في مصر.

ولا يزال آخرون ممن التقت بهم الجزيرة نت في القرية ينتظرون مصيرا مجهولا في ظل عجزهم عن متابعة العلاج كحال محمد باسويد الذي عجز عن معاودة العلاج في الأردن بعد أن أنفق كل ما لديه في الرحلة الاستشفائية الأولى.

كذلك تعاني الطفلة الهنوف ذات العامين وشقيقتها ذات العام الثالث من بداية مرض سرطاني في الجلد.

وحسب أقارب الطفلتين عجز الأطباء عن تشخيص سبب هذا المرض وأخبروهم بأنه قد يكون ناتجا عن أورام سرطانية وأوصوا بضرورة الإسراع بنقلهما للعلاج في الخارج، لكن أسرتهما عاجزة عن القيام بذلك.

البعض تحدث عن مواد مشعة قرب الآبار قد تكون وراء تفشي السرطان (الجزيرة)

توجيه حكومي
وكانت الحكومة اليمنية وجهت مطلع العام الجاري بتشكيل فريق متخصص للنزول إلى القرية وتحديد أسباب تفشي السرطان فيها، لكنها لم تدفع حتى الآن تكاليف نزول هذا الفريق المقدرة، حسب مراسلات رسمية حصلت عليها الجزيرة نت، بنحو 15 ألف دولار.

وقال مدير مستشفى القرية الدكتور شكيب الأحمدي إن السرطان اغتال أكثر من 63 شخصا من أبنائها في السنوات الماضية من بين 84 حالة رصدت.

وأكد في حديث للجزيرة نت أن المستشفى رصد مؤخرا قرابة 18 حالة إصابة جديدة بالسرطان لا تزال تتلقى العلاج، من بينها ثلاث سجلت في غضون الشهرين الماضيين. ويشير إلى أن أسباب تفشي المرض في القرية لا تزال مجهولة.

وبينما لم يستبعد الأحمدي وجود تلوث في المياه، نبه إلى احتمال وجود مواد مشعة في الجبال المحيطة بالقرية.

وقال إن فحوصا أجرها أحد المختصين من وزارة النفط عبر جهاز كاشف للإشعاع أظهرت وجود أشعة قرب آبار مياه الشرب.

لكن هذه الفحوص لم تظهر نوع تلك الأشعة ومدى خطورتها، وأوصى بضرورة توفير جهاز حديث لكشف نوع تلك الإشعاعات.

وقد دفعت الظاهرة ناشطين في القرية إلى تأسيس جمعية خاصة تعنى بمكافحة مرض السرطان. وقال رئيسها أحمد سالم للجزيرة نت إنهم يهدفون لمساعدة المصابين وإيصال صوتهم إلى الجهات المسؤولة.

المصدر : الجزيرة