حسن صغير-نواكشوط

مع دخول حملة الدعاية الانتخابية للرئاسيات الموريتانية أسبوعها الثاني، انتشرت في مختلف أنحاء العاصمة الموريتانية نواكشوط الخيام الانتخابية التي يساند جلها الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز.

ولعل اللافت هو أن جميع الخيام التي تحاول حشد الناخبين تركز على تقديم صنوف من الغناء والإنشاد الديني والشعر للجمهور، مع غياب واضح لأي حديث عن البرامج السياسية أو الاقتصادية للمرشحين.

وتمتد هذه الخيام -المزينة بصور ولد عبد العزيز وبشعارات من قبيل "أنتم الأمل"، و"معكم نكمل المسيرة"- على طول نواصي الشوارع الرئيسية للعاصمة، وتبدأ نشاطها مع حلول الظلام عندما يميل الجو نحو البرودة، حيث تكون الفرق الموسيقية في صدر الخيمة استعدادا لاستقبال جمهورها الذي يحضر أحيانا ويغيب أخرى.

وتتنافس الخيام -التي يمولها عادة رجال أعمال أو وجهاء قبائل مقربون من السلطة- في جلب أكبر عدد ممكن من الجمهور من خلال نوعية الفن المقدم، أو اسم الفرقة الموسيقية، أو فرقة الإنشاد، إذ كلما كان من يحيي السهرة مشهورا أصبح الإقبال الجماهيري على الخيمة كبيرا.

وفي جولة ليلية للجزيرة نت على هذه الخيام، لمسنا تفاوتا في عدد الحضور من خيمة لأخرى، حيث بدا بعضها مقفرا تماما بينما يشتد الزحام على غيرها، لأنها تقدم نمطا موسيقيا يبدو أنه يلاقي هوى في نفوس الجمهور.

وقال لنا بعض الحاضرين إن اختيار الخيمة الانتخابية التي سيمضي السهرة فيها يتم عادة في وقت مسبق، وربما قبل أيام، وذلك بناء على برنامج السهرة الفني وليس البرنامج الانتخابي للمرشح الذي تسانده.

وبعد مرورنا على عدد كبير من الخيام الانتخابية، لم نسجل حضورا للخطاب السياسي إلا في خيمة وحيدة، وكان عبارة عن كلام لمسؤول محلي من الحزب الحاكم حل ضيفا على الخيمة، وهو كلام لا يبتعد كثيرا عن الكلام العام الذي يقال في مثل هذه المناسبات، ولم يتضمن أي إشارة لبرنامج انتخابي أو وعودا للناخبين أو حلولا مقترحة لمشاكلهم.

محمد المختار: غياب الطبقة الوسطى يسهم في غياب إنتاج خطاب سياسي (الجزيرة)

أزمة بنيوية
وحول هذه الظاهرة وغياب الخطاب السياسي في الدعاية الانتخابية، يقول الخبير في علم الاجتماع محمد المختار محمد أحمد إن هناك أزمة بنيوية في المجتمع الموريتاني منذ عام 1978 (تاريخ أول انقلاب في البلاد)، حيث يدلي المواطن بصوته في الانتخابات بناء على تمييزه بين الآراء، لكن هناك حقيقة كبرى وهي أنه لا قيمة لصوته في الواقع.

وبالتالي -يوضح المتحدث- أصبح المواطن غير معني أصلا بالبحث عن الخطاب السياسي ولا عن برامج المرشحين في أي انتخابات، لأنه يعرف نتيجة الانتخابات سلفا، ولذلك تنتفي الحاجة لمباريات سياسية بين المرشحين سواء على مستوى المضامين، أو على مستوى المظاهر الانتخابية، والمطلوب هو فقط البرهنة كميا لا نوعيا على شرعية النظام.

ويضيف محمد المختار في حديث للجزيرة نت أن غياب إنتاج الخطاب السياسي في الحملات الانتخابية يعود كذلك في جزء كبير منه إلى غياب الطبقة الوسطى في المجتمع الموريتاني، وهي الطبقة التي تضمن عادة إنتاج هذا النوع من الخطاب باعتبارها صاحبة الإنتاج الفكري والاقتصادي العريض.

ويشير إلى أنه من مظاهر الأزمة كذلك تحاشي المفكر الإدلاء بأفكاره حتى لا يغضب أصحاب القرار، لذلك يلجأ إلى الشكل والمظهر على غرار الغناء والفلكلور لتلبية رغبات النظام من ناحية، والهروب من الإيديولوجي والسياسي من ناحية أخرى، لأنه مدان في الأنظمة العسكرية المتعاقبة على موريتانيا.

ويختم الخبير في علم الاجتماع بالقول إن الجدية الحقيقية موجودة في المجتمع الموريتاني، لكن ليس هذا وقتها، لأن الوقت الآن هو وقت الصخب ووقت المشاركة العريضة، وإظهار الأشكال المتنوعة والأضواء الساطعة والألوان الزاهية، للتغطية على مقاطعة الانتخابات من قبل عدة اتجاهات سياسية وفكرية موريتانية.

المصدر : الجزيرة