وسط رفض من عدد من أحزاب المعارضة، انطلقت بالجزائر اليوم المشاورات السياسية بدعوة من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لإعداد دستور توافقي، وهو أحد أهم تعهدات بوتفليقة خلال حملته الانتخابية الأخيرة، إذ وعد الجزائريين بوضع دستور توافقي قبل نهاية العام الجاري.

ياسين بودهان-الجزائر

انطلقت في الجزائر اليوم المشاورات السياسية بين السلطة والطبقة السياسية بدعوة من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لإعداد دستور يريده الرئيس توافقيا، لكن المعارضة رفضت المشاركة كون المشروع المقترح برأيها غير توافقي شكلا ومضمونا.

وكشف بيان لرئاسة الجمهورية نشر على موقعها الإلكتروني أن دعوات المشاركة التي أرسلها أحمد أويحيى وزير الدولة ومدير ديوان الرئاسة والمكلف من طرف الرئيس بإدارة هذه المشاورات في 15 مايو/أيار إلى الشخصيات والأحزاب السياسية وكذلك المنظمات والجمعيات قد حظيت بقبول ثلاثين شخصية من بين 36 شخصية وجهت لها الدعوة، و52 حزبا سياسيا من أصل 64 حزبا مدعوا، وجميع المنظمات والجمعيات الأهلية التي وجهت لها الدعوة، وعددها 37 منظمة وجمعية.

ويعد تعديل الدستور أحد أهم تعهدات الرئيس بوتفليقة خلال حملته الانتخابية الأخيرة، إذ وعد الجزائريين بوضع دستور توافقي قبل نهاية العام الجاري.

جيلالي اتهم السلطة بممارسة
سياسة الهروب للأمام (الجزيرة)

المعارضة تشكك
لكن المعارضة شككت في وعود الرئيس، واتهمت السلطة بمحاولة استدراجها لتشتيت عملها. وجاء تعيين أحمد أويحيى كمسؤول عن إدارة المشاورات السياسية ليكرس تلك المخاوف باعتباره رجلا لا يحظى بالإجماع.

وسارعت عدة أحزاب وشخصيات سياسية معارضة إلى إعلان مقاطعتها للمشاورات، ومنها الأحزاب الإسلامية (حركة مجتمع السلم، حركة النهضة، جبهة العدالة والتنمية)، وأحزاب ديمقراطية ووطنية "قومية" مثل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحزب جيل جديد، وأعلنت هذه الأحزاب عن تمسكها بعقد ندوة التحول الديمقراطي في 10 الشهر الجاري، وهي الندوة التي دُعي إليها العديد من الشخصيات والأحزاب السياسية المعارضة، من أجل وضع خارطة طريق لتغيير نظام الحكم بالجزائر.

كما سارعت جبهة القوى الاشتراكية (أقدم حزب معارض) إلى اتخاذ الموقف نفسه، وبرر القانوني والقيادي في الحزب مصطفى بوشاشي للجزيرة نت موقف حزبه بكون الآلية التي وضعتها السلطة لإدارة المشاورات تثبت أن هناك محاولة لإلهاء الشعب والمعارضة.

وتسعى مؤسسة الرئاسة من خلال الكشف عن عدد الأحزاب والشخصيات -التي لبت دعوتها للمشاركة- إلى إضفاء مشروعية ومصداقية على المشاورات، لكن سفيان جيلالي رئيس حزب جيل جديد، والمنسحب من سباق الرئاسيات السابقة بعد إعلان بوتفليقة ترشحه لولاية رابعة أكد للجزيرة نت أن الأمر لا يتعلق بالأرقام، إنما يتعلق بطبيعة وهوية الأحزاب التي تشارك هذه الأحزاب التي وصفها بـ"المجهولة سياسيا".

وفي تقديره، فإن الأحزاب المقاطعة هي التي تمثل فعلا المعارضة، واتهم السلطة بممارسة سياسة الهروب للأمام من خلال الآليات التي اعتمدتها في هذه المشاورات، وهي بذلك تغطي على فشلها، والحل برأيه لا يكون إلا بحوار جدي مباشر بين السلطة والمعارضة الحقيقية.

أوصديق: المشروع المقترح أقل ما يقال عنه إنه غير توافقي شكلا ومضمونا (الجزيرة)

وفاء للتعهدات
وبالنسبة لرئيس الكتلة البرلمانية لحزب التجمع الوطني الديمقراطي ميلود شرفي (داعم لبوتفليقة) فإن هذه المشاورات مبنية على بعد أخلاقي، وسلوك حضاري وصفه بالمهم جدا. واعتبر دعوة الرئيس كل القوى الحية في المجتمع الجزائري تشكل وفاء لتعهداته بإقرار دستور توافقي في إطار تعميق إصلاحاته السياسية، واعتبر هذه المشاورات خطوة نحو الانتقال الديمقراطي الحقيقي بالجزائر.

وعن موقف حزبه من مقاطعة المعارضة ومدى تأثير ذلك على مصداقية العملية، أكد شرفي أنه يحترم موقف تلك الأحزاب، لكنه شدد بالمقابل على أن عدد الأحزاب التي لبت الدعوة كبير، "ومشاركتها موقف جد إيجابي".

بالمقابل، سجل الفقيه الدستوري فوزي أوصديق في حديثه للجزيرة نت عدة مآخذ على المشاورات، واعتبر أن الدستور أو المشروع المقترح أقل ما يقال عنه إنه غير توافقي شكلا ومضمونا، ومن حيث الآليات المعتمدة لإخراجه.

فشكلا تم تنصيب رجل على رأس اللجنة "أقل ما يقال عنه إنه غير توافقي بين مختلف الأطياف السياسية، مما يجعله حيا ميتا في الوقت نفسه".

والدستور حسب أوصديق في الأنظمة المقارنة دائما يكون نتاجا لتوازنات كبرى داخل المجتمع، والدستور التوافقي يضيف له آليات وهي ليست بدعة دولة معينة، وذلك من خلال موائد مستديرة أو لجان تأسيسية، أو من خلال جمعية سيادية في اتخاذ القرارات، وشرعنة التصرفات الدستورية، وليس من خلال "تعويم الحوار بأرقام منتهية من الأحزاب غير الموجودة إلا في مكتب التنظيم بوزارة الداخلية، وشخصيات لا تمثل إلا نفسها".

لذلك يعتقد أن الدستور التوافقي الذي تتحدث عنه السلطة سيكون "دستور أزمة" مثل باقي الدساتير الجزائرية، يعالج مرحلة معينة، وشرعنة تصرفات معينة.

المصدر : الجزيرة