لأن جذورها تمتد في قلوب وعقول قطاع كبير من الأتراك عبر مئات السنين لارتباطها بالهوية والدين, استطاعت الطرق الصوفية أن تصمد بشكل أو بآخر في وجه مد العلمنة الإجباري الذي فرضه مؤسس الجمهورية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.

خليل مبروك-إسطنبول

تدير الجماعات الصوفية في تركيا مؤسسات وقفية تقدم العديد من الخدمات للمجتمع التركي، كما برز دورها بعد انتقال البلاد من العهد العثماني إلى الجمهورية، وما رافق ذلك من تغيرات سياسية واجتماعية طالت هوية الدولة.
 
وتعد "جمعية عزيز محمود هدائي" إحدى تلك المؤسسات التي تنشط في تقديم الخدمات الإغاثية والصحية والتعليمية، حيث تأقلمت مع الظروف المتقلبة خلال العقود التسعة الماضية، وشاركت مثيلاتها من الوقفيات الصوفية في الحفاظ على الهوية الإسلامية لتركيا.
 
ويقول المدير العام للخدمات التعليمية في الجمعية آدم آرغول إن اسمها ينسب إلى "الشيخ المربي عزيز محمود هدائي الذي ربطته علاقات وطيدة بأربعة من السلاطين العثمانيين الذين عاصر ثمانية منهم، ووقف خلال حياته أوقافا للتربية الروحية والعلمية والاجتماعية".
 
تجنب الصدام
وأضاف أن أوقاف الشيخ هدائي صودرت بموجب مرسوم حظر الكتاتيب الذي أصدره مؤسس الجمهورية الحديثة كمال أتاتورك في عام 1925، شأنها في ذلك شأن مجموعة المدارس ودور التعليم".
آرغول: لن نكون حديقة خلفية
لأي حزب سياسي (الجزيرة)

وبحسب آرغول، تجنبت الطرق الصوفية الصدام مع "الكماليين" الذين حظروا أنشطتها، "وآثرت مواصلة العمل بصمت وبجهود فردية في مجالات التعليم والإغاثة، وتحولت دور التعليم السرية التي أقامتها إلى قبلة يرتادها طلاب العلم الشرعي، والطالبات اللائي تمسكن بالحجاب الذي حظرته الحكومة التركية في مدارسها".
 
وساهمت الإصلاحات التي اتبعها الرئيس التركي تورغوت أوزال في ثمانينيات القرن الماضي في إعادة ظهور الجمعيات الصوفية من جديد، مستفيدة من هامش الحريات المحدود في ذلك الوقت، فأعيد تأسيس جمعية هدائي في عام 1985 بغرض الإغاثة والتعليم.

ويوضح آرغول أن وقف هدائي تأسس في منطقة أسكودار بمدينة إسطنبول في ذلك العام كمطعم خيري للفقراء، ثم تحول إلى تقديم التعليم لهم، ثم توسع حتى أصبح له اليوم سبعون مركزا في تركيا، تقدم خدماتها لآلاف المحتاجين، فضلا عن أنشطة خيرية في 35 بلدا آخر منها البوسنة والهرسك وأفغانستان.

وبشأن الدور السياسي للوقف أكد آرغول أن وقف هدائي -الذي يتفرع عن الطريقة النقشبندية- لا ينخرط في النشاط السياسي، "ويتجنب العاملون فيه التوجيه نحو أي دفة في مركبها، تاركين لأعضاء الوقف فرصة الاختيار وفق ما ينسجم مع قناعاتهم".

ويضيف "لن نكون حديقة خلفية لأي حزب سياسي، ونحن محايدون سياسيا، نتعامل مع القومي والليبرالي والوسطي والإسلامي، ونهتم بالتوعية بالإسلام بعيدا عن السياسة".

أما الباحث والمؤرخ نظام الدين إبراهيم أوغلو فيقول إن جذور الطرق الصوفية تمتد إلى مئات السنين، وإنها "ظلت محافظة على وجودها بين أفراد المجتمع وطبقاته على الرغم من كل محاولات القضاء عليها، وتمثلت رسالتها في حفظ الثقافة الإسلامية كشريعة بما تتضمنه من عقائد وأخلاق وأحكام عبادية في نفوس الشعب التركي من خلال أشكال وطقوس دينية متعددة".

أوغلو: الطرق الصوفية تساهم
في خدمة المجتمع التركي
 (الجزيرة)

التعبير عن الهوية
ويشير أوغلو إلى أن بعض الطرق الصوفية تميزت بالتعبير عن هويتها بالأذكار والأوراد والأناشيد والابتهالات، وعكفت طرق أخرى على تحفيظ القرآن للناس في بيوت شيوخها أو منازل خاصة أنشأتها لهذا الغرض، وبعضها الآخر اكتفى بالتعبير عن روحانيته بـ"الدروشة" التي تصورها بعض وسائل الإعلام وكأنها التعبير الوحيد عن التصوف.

ويؤكد أوغلو أن عدد المنتسبين للطرق الصوفية في تركيا كبير جدا، وأنهم يساهمون في خدمة المجتمع التركي بالدرجة الأولى عبر تربية الأجيال على الدين الاسلامي وعلى الأخلاق الفاضلة، مما ساهم في حماية الهوية الإسلامية لتركيا في العهد الجمهوري.

ويتحدث أوغلو عن دور كبير لبعض الطرق الصوفية في حياة الدولة التركية بالعهد العثماني وفي الوقت الحاضر على السواء، ويقول إن بعض هذه الطرق تساهم في سياسة الدولة بشكل واضح، عبر الاتفاق مع الأحزاب على مكاسب سياسية في الانتخابات. ويرى أن بعضها يعادي النظام العلماني للدولة الحديثة.

المصدر : الجزيرة