بعد قمع شهية العسكر للحكم والحد من تغول القضاء في الحقل السياسي، قلّمت الحكومة التركية مؤخرا أظافر جهاز الاستخبارات وأخضعته لرقابة ومساءلة البرلمان. وتبعا لانتماءاتهم الحزبية تباينت مواقف الفاعلين الأتراك من هذا الإجراء الجديد.

وسيمة بن صالح-أنقرة

بعد تخلص الحكومة التركية من وصاية الجيش على معظم المؤسسات الحيوية وخاصة القضاء، يبدو أن الدور قد وصل إلى جهاز الإستخبارات، فقد صادق الرئيس عبد الله غل على تعديل القانون الذي كان ينظم عمله منذ عام 1983.

وفي حين رأى مؤيدو القانون أنه يقنن عمل الاستخبارات ويجعله تحت المراقبة، اعتبره المعارضون مدخلا لنظام دولة مخابرات ذات صلاحيات غير محدودة.

وقبل وصول حزب العدالة والتنمية لسدة الحكم بتركيا، كان جميع رؤساء الاستخبارات التركية من العسكر ويعملون عن قرب مع هيئة الأركان العامة.

لكن جهات أخرى ظلت توجه عمل المخابرات من وراء حجاب مثل رئاستي الجمهورية والحكومة ومجلس الأمن القومي.

وكانت مهمة الجهاز الأساسية هي حماية الدولة التركية من الأخطار الداخلية التي تهدد أمنها. وتتلخص تلك الأخطار في الحساسيات الدينية والعرقية والتوجهات السياسية للمواطنين.

رقابة وتكليف
وتنص أهم مادة في القانون الجديد على تأسيس لجنة خاصة بالأمن والاستخبارات داخل البرلمان التركي، مما يجعل هذا الجهاز يخضع للمحاسبة من قبل النواب.

أكغون: خضوع الاستخبارات لمراقبة البرلمان يدخل ضمن سياسة الشفافية (الجزيرة)

وتتكون اللجنة من 17 عضوا ويتم مستوى التمثيل فيها حسب مقاعد الأحزاب السياسية داخل البرلمان التركي.

وبناء على القانون الجديد، أصبح مجلس الوزراء هو المسؤول عن تكليف الاستخبارات بالمهام المتعلقة بمسائل الأمن الخارجي ومكافحة الإرهاب والأمن القومي.

وفي هذا الاتجاه أجاز القانون الجديد لرجال الاستخبارات الأتراك إجراء الاتصالات مع المنظمات والمجموعات الإرهابية سواء داخل أو خارج تركيا لحل المسائل التي من شأنها المساس بالأمن القومي، وهو ما كان يعتبر جريمة من قبل.

كما أن العاملين داخل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، أصبحوا ملزمين بتقديم المعلومات التي يطلبها جهاز المخابرات منهم، ومقابل ذلك يحصلون هم وعوائلهم على حصانة.

ويلزم القانون الجديد النيابة العامة بالاتصال فورا بجهاز المخابرات في حالة التوصل ببلاغات ضد عناصره.

وفي حال التأكد من أن موضوع البلاغ ذو صلة بنشاط للجهاز تمنع النيابة العامة من اتخاذ أي إجراء قضائي أو تدبير خاص بخصوص المشتكى عليهم.

وأصبحت عمليات التحقيق مع رئيس الاستخبارات خاضعة لأحكام المادة الخاصة بقانون أصول محاكمة الشخصيات العسكرية التي تحاكم أمام مجلس الدولة الأعلى.

ووصف الخبير بشؤون الإرهاب الدولي والأمن بيرول أكغون ما حدث بأنه تأطير قانوني لوظائف كان جهاز المخابرات يقوم بها من قبل ولكن بشكل خفي.

واعتبر -في حديث للجزيرة نت- أن التحول الديمقراطي الداخلي لتركيا وسياسة انفتاحها على العالم الخارجي دفعا باتجاه إعادة هيكلة وظائف مؤسسات منها جهاز الاستخبارات.

سونماز رأى أن القانون ينتهك الحريات والحقوق الأساسية للأفراد (الجزيرة)

وأثنى على خضوع الاستخبارات لمراقبة البرلمان واعتبره يدخل ضمن سياسة الشفافية التي ينتهجها الحزب الحاكم في العديد من المجالات، على حد قوله.

أما فيما يخص تعاون المؤسسات المدنية مع المخابرات، فرأى أنه نوع من التوازن ما دامت هناك حصانة قانونية، بينما كان الجميع مجبرا على تقديم المعلومات في جميع الأحوال، على حد قوله.

رفض وطعن
لكن المعارضة رفضت هذا القانون ولوحت بالطعن فيه أمام المحكمة الدستورية العليا. كما اعتبرته نتيجة للصراع القائم بين الحكومة وجماعة الخدمة بزعامة فتح الله غولن.

وفي حديث للجزيرة نت، قال الصحفي المعارض مصطفى سونماز إن مجلس الوزراء وفقا للقانون الجديد أصبح لديه دور مركزي وفعال في إدارة جهاز الاستخبارات.

واعتبر أن الحكومة بهذا تسعى لتأسيس دولة ذات نظام مخابراتي ذي صلاحيات غير محدودة.

وأهم الإشكاليات التي يطرحها القانون الجديد -برأي سونماز- أنه يلزم جميع العاملين في المؤسسات غير الحكومية أن يكونوا مخبرين.

واعتبر ذلك انتهاكا للحريات والحقوق الأساسية للفرد، كما عبر عن اعتراضه على تمتع رجال المخابرات بحصانة أمام القضاء.

لكن المواطن محمد أنار أثنى على القانون الجديد ورأى أنه يقيد عمل المخابرات داخل إطار قانوني.

واعتبر أن القانون يصب في صالح المواطنين خاصة أن تاريخ المخابرات الأسود ما زال محفورا في ذاكرة فئات عديدة من الشعب التركي، حسب تعبيره.

المصدر : الجزيرة