أشهر الحصار الطويلة لحي جوبر لم تترك لدى الرجل الأربعيني أبو ناصر خياراً آخر سوى أن يمضي لحمل السلاح في سبيل تأمين لقمة عيش أبنائه الأربعة، مزاحماً رفاقه المقاتلين في اقتحام تجمعات جيش النظام للحصول على مؤونة مفترضة يغتنمها.

علاء الدين عرنوس-ريف دمشق
 
الغنيمة التي عاد بها أبو ناصر إلى بيته من معركة جامع الطيبة غرب جوبر لا تعادلها غنيمة، فقد نال كيسين وافرين من السكر والأرز استحقا مخاطرته تحت نيران القناصة من بيتٍ مدمر كان يتخذه مقاتلو النظام نقطة لهم قبل تقدم المعارضة في الاشتباك الأخير.

في قبوٍ واسع اتخذته الأسرة مسكناً آمناً ليحميها من القذائف المتساقطة، أربعة صبية يتعاونون لإعداد وجبة العشاء على ضوءٍ خافت يتصل ببطارية سيارة بينما يهدر صوت "البابور" مبدداً بعض العتمة وضجيج الإخوة.

أبو ناصر (39 عاماً) من سكان الحي الواقع في أطراف العاصمة السورية دمشق، الذين فضلوا البقاء رغم قسوة الحصار، تحدث للجزيرة نت عن الصعوبات التي تواجهه في تأمين الغذاء والدواء لأبنائه الأربعة بعد أن فقد زوجته إثر سقوط قذيفة هاون في محيط ملعب العباسيين العام الماضي.

يشعل أبو ناصر سيجارة عقب يوم طويل من القتال ويتمتم "مائة ليرة سورية ثمناً لسيجارة، لماذا يسمحون بدخول التبغ ويمنعون الغذاء؟".. هكذا يتساءل الرجل قبل أن يوضح أن سعر كيلوغرام السكر وصل في الأسابيع الماضية إلى حدود أربعة آلاف ليرة، ويؤكد "المهربون تاجروا بنا مستغلين الحصار وإغلاق منافذ الحي".
أغلب سكان المناطق المحاصرة اضطروا للزراعة في الحدائق وحتى الشرفات (الجزيرة)
لقمة العيش
أشهُر الحصار الطويلة لم تترك لهذا الرجل الأربعيني خياراً آخر سوى أن يمضي لحمل السلاح في سبيل تأمين لقمة عيش أبنائه الأربعة، مزاحماً رفاقه المقاتلين في اقتحام تجمعات جيش النظام للحصول على مؤونة مفترضة يغتنمها.

"لابد لنا في النهاية أن نتكيّف مع الأوضاع، فالحصار قد يمتد لشهور طويلة.. الناس يزرعون الخضروات على الشرفات وفي الحدائق ويصطادون الطيور.. سنتقدم ونفتح طريقاً مع الغوطة، وإلا سنبقى محاصرين حتى نموت جوعاً".. هكذا يقول أبو ناصر.

شكوى "حسام" الابن الأصغر من آلام في معدته، دفعت الأب لشراء وصفة دواء عن طريق المهربين كلفته 15 ألف ليرة (95 دولارا) دون جدوى، موضحاً أن أغلب الأدوية المتبقية في الصيدليات أصبحت فاسدة وتجاوزت الصلاحية المحددة، ويقول وهو يشير إلى ابنه الأصغر ذي الأعوام السبعة "انظر ها قد بدأت تضعف أسنانه بسبب نقص الكالسيوم والمتممات الغذائية، ما ذنبه ليهلك جوعاً؟".

حالهم كحالنا
ورداً على سؤال حول دور الجمعيات الأهلية في تقديم المعونة داخل الحي، يجيب أبو ناصر "حالهم كحالنا يأكلون ما نأكل ويشربون ما نشرب، والمخازن باتت شبه فارغة من المواد التموينية".

علامات العوز تبدو واضحة على وجوه الأطفال وأجسادهم النحيلة نظراً لشح المواد الغذائية في الحي، مما سبب تبدلاً واضحاً في النظم الغذائية لدى السكان. فبعد أن كان رغيف الخبز المصنوع من دقيق القمح عنصراً رئيسياً في المائدة الجوبرانية، حلّت المجففات والأرز والبرغل والحشائش -على قلتها- لسد رمق المئات.
 
عضو المكتب الإعلامي لحي جوبر "ماهر" (24 عاماً) يصف الوضع الإنساني للمدنيين المحاصرين بالكارثي. وفي اتصال مع الجزيرة نت أكد لنا أن الهيئة الشرعية سمحت بجمع الأدوية من المنازل، فضلاً عن استخدام الأقمشة المعقمة بأساليب بدائية عوضاً عن الشاش الطبي.

"الكهرباء معدومة منذ تحرير مؤسسة الكهرباء في رمضان الماضي، بينما يتوفر الماء بقلة في الأماكن المنخفضة.. أصيب والدي بفتق في جسده جراء حمل أوعية الماء لمسافاتٍ طويلة"، يقول ماهر الناشط الإعلامي والطبي بجوبر.

يذكر أن الحي يتبع مركز محافظة دمشق وكانت تقطنه أقلية يهودية، فضلاً عن أقليات أخرى إلى جانب المسلمين والمسيحيين، ويعد موقعاً مهماً للنظام لمتاخمته أحياء باب توما والقصاع والعباسيين. ومع اندلاع الثورة بسوريا تحول الحي إلى أبرز معاقل قوات المعارضة، وبات مركزاً لعملياتها تجاه أهداف في دمشق.

المصدر : الجزيرة