بعد أربع سنوات من قطيعة شبه كاملة بين أنقرة وتل أبيب، تبدو المصالح قادرة على قهر المكابرة والمبادئ، حيث بات الطرفان على أعتاب مرحلة من التصالح تقتضيها الظروف الإقليمية والدولية وحاجة كل منهما إلى الآخر.

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

أجمع محللون وباحثون على أن تركيا وإسرائيل بصدد توقيع اتفاق مصالحة وإعادة التطبيع الدبلوماسي الكامل بينهما بعد جمود دام أربعة أعوام إثر اعتراض البحرية الإسرائيلية لسفينة مرمرة التي كانت متوجهة لكسر الحصار عن غزة، مما أدى إلى قتل تسعة أتراك وجرح آخرين.

وأوضح هؤلاء أن تل أبيب باتت مستعدة لتعويض عائلات الضحايا الأتراك، وأنها دفعت ثمنا سياسيا وأمنيا واقتصاديا لجمود علاقاتها مع أنقرة، مما أضر بمصالحها وشكل لها تهديدا إستراتيجيا، وفق تقديرهم.

وبرروا توقيت ترويج التوصل إلى اتفاق المصالحة بالتقاء المصالح ووجود ملفات مشتركة بين البلدين بكل ما يتعلق بالتهديدات الإقليمية والإرهاب وسوريا وتوتر العلاقة بين أنقرة والقاهرة وتعثر مباحثات السلام.

مفاوضات متقدمة
وأكد مصدر دبلوماسي إسرائيلي رفيع المستوى وجود مفاوضات متقدمة بين أنقرة وتل أبيب أثمرت عن التوصل إلى تفاهم يقضي بدفع إسرائيل تعويضات لعائلات الضحايا الأتراك وتطبيع العلاقات بين الدولتين بعودة السفراء.

عكيفا إلدار: تل أبيب لم تكن ترغب في جمود علاقاتها الدبلوماسية مع أنقرة (الجزيرة نت)

وشدد المصدر الدبلوماسي في حديث للجزيرة نت على أن إسرائيل تريد ضمان شطب الدعاوى التي رفعت في المحاكم التركية ضد ضباط بجيشها وبحريتها، والحصول على تعهدات بعدم تحريكها في المستقبل.

ورجح المصدر -الذي رفض التطرق إلى قيمة التعويضات- أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ينتظر مؤشرات من نظيره التركي رجب طيب أردوغان الذي أوضح أن بلاده تقوم بإجراءات تشريعية وقانونية وتحضير أرضية قضائية لإقرار دفع إسرائيل التعويضات المالية.

وإذا تحقق ذلك فإن نتنياهو سيعرض الاتفاق على المجلس الوزاري المصغر للمصادقة عليه والإعلان رسميا عن اتفاق المصالحة بين تل أبيب وأنقرة، وطي ملف التعويضات والدعاوى القضائية وبدء تطبيع العلاقات بين الدولتين وعودة السفيرين.

مصالحة ومصالح
من جانبه، يجزم نمرود جورن مدير معهد "ميتفيم" الإسرائيلي المتخصص بالسياسات الخارجية في الشرق الأوسط بأن اتفاق المصالحة بين الطرفين جاهز للتوقيع، وأن الجانب الإسرائيلي أقر وصادق على حجم وقيمة التعويضات التي ستدفع للأتراك.

ورغم أجواء التفاؤل بقرب موعد توقيع المصالحة، رجح جورن أن تكون هناك نقاط خلافية تحول دون التوقيع على الاتفاق في هذه المرحلة، إضافة إلى المكاسب الدبلوماسية التي تسعى أنقرة لتحقيقها والمتعلقة بكسر الحصار عن قطاع غزة، وتنشيط مسار المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في ظل المصالحة بين فتح وحماس.

أمل جمال رأى أن العلاقات مع تركيا
قضية إستراتيجية بالنسبة لإسرائيل (الجزيرة نت)

بدوره، يرى المحلل السياسي عكيفا إلدار أن تل أبيب لم تكن ترغب في الجمود الدبلوماسي مع أنقرة، وأنها بدت مهتمة بعودة العلاقات وطي ملف "مرمرة" بأسرع وقت ممكن.

لكنه يرى أن بحث التعويضات وعودة العلاقات غير مناسب حاليا بالنسبة لأردوغان لكونه يسعى لتحقيق المزيد من المكاسب والإنجازات مقابل عودة التطبيع مع تل أبيب.

ويضيف إلدار في حديث للجزيرة نت أن تركيا ما تزال تصر على فك الحصار عن قطاع غزة، وباتت أكبر داعم للقضية الفلسطينية، مما يعني أن أردوغان لن يسارع للالتقاط الصور مع نتنياهو.

وفي السياق ذاته، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة تل أبيب الدكتور أمل جمال إن القضية أوسع من توقيع اتفاق، وإنها إستراتيجية بالنسبة لإسرائيل التي بنت تاريخيا محاور مصالح طوق مع الدول غير العربية في الشرق الأوسط وعلى رأسها إيران وتركيا.

ووفق هذا الطرح يرى المتحدث نفسه أن القطيعة مع طهران منذ عقود والجمود الدبلوماسي منذ سنوات مع أنقرة خسارة إستراتيجية لتل أبيب، وهذا ما تسعى الإدارة الأميركية لتداركه، على حد قوله.

وأوضح جمال في حديث للجزيرة نت أن توقيع اتفاق المصالحة بالنسبة لأردوغان إنجاز سياسي لتدعيم نظام حكمه والإبقاء على تحالفات إقليمية قوية، وإعادة الدور الريادي لأنقرة في ظل فتور العلاقات مع القاهرة واستحالة عودة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم، وفق تقديره.

وفي الجانب الإسرائيلي، يعتقد جمال أن نتنياهو يعول على تطبيع العلاقات مع أنقرة ليكون بمثابة نجاح لدبلوماسيته التي تعيش مأزقا حقيقيا، على حد قوله.

المصدر : الجزيرة