أمراض عديدة بدأت تظهر على الكثيرين من سكان ريف دير الزور الشرقي نتيجة الاستخراج العشوائي للنفط منذ نهاية عام 2012، ورغم التحذيرات الطبية المتكررة فإنها لا تجد آذانا صاغية.

فادي جابر-دير الزور

وضع عواد يده في خزان النفط الخفيف المركب على سيارته الشاحنة ثم لعقه بلسانه قائلا "عسل.. طعمه كالعسل، ولا يمكن أن يؤذيني أبدا". وحال عواد لا يختلف عن حال آلاف العاملين بتجارة النفط الذين لا يكترثون بما قد يصيبهم من أمراض.

عواد (40 عاما) من ريف دير الزور الشمالي، وأحد آلاف العاملين في تجارة النفط والذين يعتقدون أن النفط لا يمكن أن يسبب لهم أي أذى صحي، ويعلل عواد ذلك بأنه يعمل في المجال منذ أكثر من عام ولم يصب بأي أذى.

يعاني عواد وعائلته المكونة من ستة أفراد منذ عدة أسابيع من آفة "الجرب النفطي"، ومع ذلك يصر على العمل في تجارة النفط لتأمين الموارد المالية الكافية لها.

والجرب النفطي واحد من أمراض عديدة بدأت تظهر على الكثيرين من سكان ريف دير الزور الشرقي نتيجة الاستخراج العشوائي للنفط مع نهاية عام 2012.

وهذا الاستخراج جعل النهار في مدن وقرى ريف دير الزور أقرب إلى الليل الأسود نتيجة الدخان الأسود المتصاعد من آلاف الحراقات المنتشرة كحزام على طول سرير النهر إضافة إلى تجمعات كبيرة لها في مناطق عدة من الريف.

كما تظهر آثار هذا الدخان على الخراف المنتشرة في المراعي والتي تحول لون صوفها إلى الأسود، إضافة لموجات من الحساسية التي تصيب السكان.

الأطفال من بين ضحايا الاستخراج العشوائي للنفط (الجزيرة)

أمراض مميتة
ويتوقع الدكتور إياد خرابة -أحد أطباء محافظة دير الزور- وفق الدراسات، فإن معظم العاملين بتلك المهنة سيصابون بأمراض عدة نتيجة عدم اكتراثهم بالخطر المحدق بهم وعدم اتخاذ تدابير السلامة المهنية.

وفي حديث للجزيرة نت يقول خرابة إن العاملين بهذه المهنة سيصابون بعدة أنواع من السرطانات، أهمها سرطانات الرئة، إضافة لتشكيلة أخرى من المرض كسرطانات الجلد والمثانة، نتيجة التعامل المباشر مع النفط الخام.

لكن أخطار تجارة النفط لا تتوقف عند كبار السن فقط، فالمشافي الميدانية في ريف دير الزور الشرقي تغص بالأطفال المصابين بأمراض تنفسية والعاجزين عن التنفس نتيجة آلاف حراقات النفط المنزلية التي تعمل قريبا من التجمعات السكنية.

الطبيب والجراح مهدي السلامة يرد أسباب ازدحام المستشفيات بالأطفال إلى الدخان الأسود المشبع بغاز أول أكسيد الكربون، والكربون الحر وغيرهما من الغازات الناجمة عن عملية التكرير المنزلي.

ويؤكد سلامة في حديث للجزيرة نت أن المواد المحترقة المتطايرة تسبب التهاب قصبات مزمنا عند أغلب المتعرضين لها، خاصة الأطفال، حيث يتعرضون لأزمات تنفسية تؤدي لانقباض القصبات، ويحتاجون لجلسات رذاذ إسعافية وموسعات قصبات.

ويضيف قائلا "تتطور تلك الالتهابات لتصبح مزمنة وغير قابلة للتراجع، ومن ثم تؤدي للتليفات على مستوى جهاز التنفس".

مواليد مشوهون
وبدأت المشافي الميدانية في ريف دير الزور باستقبال حالات ولادة أطفال مشوهين، وفق ما ذكر الدكتور سلامة للجزيرة نت، مؤكدا أن حالات إجهاض عديدة حصلت نتيجة تعرض النساء للنفط الخام أو المشتقات النفطية الناجمة عن التكرير المنزلي والدخان الناجم عنه.

ويضيف سلامة "شاهدنا في المشافي الميدانية مواليد مشوهين، وتشوهات جنينية عند الحوامل، ورغم أننا كنا نتوقع أن تلك الأعراض ستحصل في المستقبل القريب فإنها بدأت تظهر الآن، مما يدق ناقوس الخطر".

ومنذ بدء عمليات استخراج وتجارة النفط محليا ازدادت حوادث اشتعال الآبار نتيجة تصرفات العاملين، من إطلاق رصاص أو إلقاء أعقاب السجائر في الأرض وسواها من الأسباب، وفق ما يؤكد عاملون في التجارة للجزيرة نت، إضافة إلى زيادة حوادث السير المرتبطة باحتراق شاحنات نقل النفط الخام.

وفي هذا الصدد، يؤكد الطبيب إياد خرابة استقبال المشافي الميداني -يوميا- مصابين بحروق ناجمة عن تلك الحوادث، وغالبا ما يموت المصاب قبل وصوله للمركز الطبي، كون معظم الحروق من الدرجة الثالثة وتصيب كامل الجسم تقريبا.

وفي تلك الحالة يقول خرابة يكون المصاب بعيدا عن البئر المحترقة، وأما من كان قريبا من مركز الحريق فلن يبقى من جسده سوى العظم المحترق.

المصدر : الجزيرة