بعد 561 عاما من فتح إسطنبول، لا يزال السلطان محمد الثاني يتمتع بالمكانة الأسمى بين الأتراك. ولتخليد المناسبة التي غيرت وجه أوروبا توافد الآلاف على متحف بانوراما 1453 حيث عرضت مدافع عملاقة وقذائف حجرية دك بها العثمانيون أسوار عاصمة البيزنطيين.

خليل مبروك-إسطنبول

ودع الأتراك يوم التاسع والعشرين من مايو/أيار دون أن تنقضي رغبتهم في الاحتفال بيوم شهد قبل أكثر من خمسة قرون ونصف القرن فتح مدينة القسطنطينية على يد السلطان محمد الثاني ليتغير اسمها إلى إسطنبول.

فمع حلول الذكرى الـ561 لفتح إسطنبول الذي تم في 29 مايو/أيار عام 1453 بدأ كل من في المدينة يتحدث عن السلطان محمد الثاني الملقب بالفاتح.

وكانت أغلب الاحتفالات بالفتح قد ألغيت حداداً على أرواح ضحايا انفجار منجم سوما الذين قضوا قبل أكثر من أسبوعين، لكن ذلك لم يمنع المواطنين الأتراك من التعبير عن ارتباطهم بذكرى فتح إسطنبول رغم تقادم الزمن.

وانتشرت لافتات التهاني بالفتح في المدينة حاملةً رسماً مألوفاً للسلطان محمد الثاني وهو يدخل من بوابة السور المعروف اليوم باللغة التركية باسم "أديرنا كابي"، على حصان أبيض يحيط به الجند والمقاتلون والبيادق.

بانوراما الفتح
وفي منطقة توب كابي المطلة على أسوار إسطنبول التاريخية، تجمع آلاف الأتراك منذ يوم الأربعاء الماضي لمشاهدة أحداث الفتح التي غيرت وجه أووربا في متحف "بانوراما 1453".

العديد من الأتراك شاهدوا بانوراما الفتح  وتغنوا بأمجاد العثمانيين (الجزيرة)

وتحت قبة المتحف المحدّبة تظهر حكاية الفتح بكافة تفاصيلها، فعلى وجه الأرض ألقيت قطع من المدافع العملاقة والقذائف الحجرية التي استخدمت في دك أسوار القسطنطينية، كما نثرت سيوف ورماح ودروع كبيرة يقول مشرفو المتحف إنها ذاتها استخدمت في فتح مدينتهم.

وعلى مد الأفق انتشرت الصور ذات الأبعاد الثلاثية لآلاف الجند وهم يمتطون الخيل ويشهرون سيوفهم في وضعية الهجوم، كما عرضت بذات الطريقة أسوار المدينة وهي تتلقى القذائف وتشتعل فيها النيران، على وقع تسجيلات صاخبة لأصوات معارك نفذت بعناية لتحاكي الحقيقة.

ويقول متين -وهو تركي من أنطاكيا يقيم في أستراليا- إنه حضر إلى المتحف ليُري أبناءه كيف فتحت إسطنبول، معتبراً الفتح تاريخاً مشرفاً يتناقله الأتراك جيلاً عن جيل.

ويوضح متين أنه أطلق على ابنه الصغير المرافق له في هذه الزيارة اسم محمد الفاتح، تيمناً بالسلطان الذي غير وجه أوروبا قبل أزيد من خمسة قرون.

بدوره يؤكد الباحث والمؤرخ نظام الدين إبراهيم أوغلو أن الأتراك يحتفظون بمكانة خاصة لإسطنبول التي أضاف فتحها لحضارتهم الشيء الكثير.

أوغلو: العثمانيون أضافوا لإسطنبول حضارة وثقافة وأخلاقاً ودساتير جديدة (الجزيرة)

علوم وفنون
ويشير إلى أن الأتراك أخذوا عن البيزنطيين علوم الحساب والجبر والطب والفيزياء والكيمياء والتعدين والفنون والحرف المهنية وفن الأساطيل والحرب في البحار.

وبحسب أوغلو، فإن إسطنبول ليست مجرّد مدينة، بل كتاب تاريخ يحكي قصص حضارات وثقافات تعاقبت على المنطقة.

ويقول إن الجدار الذي بناه البيزنطيون والممتد على مسافة خمسة كيلومترات بهدف صدّ هجوم الجيش العثماني بقيادة محمد الفاتح، لا يزال شاهدا على تاريخ هذه المدينة العريقة، وعلى عظمة وإصرار العثمانيين على الإطاحة بعاصمة الإمبراطورية البيزنطية.

ويشير أوغلو -في حديث للجزيرة نت- إلى أن التفاعل بين الأتراك وإسطنبول كان ثنائي الاتجاه، حيث خلص الأتراك بدورهم البيزنطيين من الظلم والقمع والحرمان والإبادة والاستبداد والنظام الإقطاعي.

ويقول إن العثمانيين أضافوا لإسطنبول بعد الفتح حضارة وثقافة وأخلاقاً ودساتير جديدة، وخاصة في عهد سليمان القانوني، إذ تم تكريس العدالة والأمان والمساواة بين الناس، حسب تعبيره.

وبعد خمسة قرون ونصف القرن على ذكرى الفتح، ما زال السلطان محمد الفاتح يتمتع بالمكانة القومية الأسمى بين الأتراك، باعتباره -كما يقول أوغلو- "يمثل للشعب التركي رمزًا دينيًا، تحقق تحت لوائه حديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ".

المصدر : الجزيرة