أجمعت الوفود المشاركة في هذا المؤتمر على وجود نقص فادح في مستوى نشر المؤشرات الإحصائية عن التعليم في العالم العربي، وهو ما يعيق رسم ملامح خطة مستقبلية لمعالجة المشاكل التي يعاني منها التعليم، أهم ركيزة لرقي المجتمعات ومضيها نحو التقدم.

خميس بن بريك-تونس

أقر المؤتمر التاسع لوزراء التربية والتعليم العرب -الذي اختتم أعماله أمس في تونس- تشكيل لجنة وزارية بعضوية وزراء التعليم في الإمارات وتونس والأردن والبحرين والمغرب والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) لتشخيص واقع التعليم في الوطن العربي والعمل على تطويره.

هذه اللجنة -الرفيعة المستوى التي تعد الأولى من نوعها في العالم العربي- ستعكف على إعداد دراسة علمية معمقة بشأن النقائص التي يعاني منها التعليم الأساسي في الوطن العربي وستقترح حلولا لتطوير مناهج التعليم استنادا إلى الإحصاءات والتجارب التعليمية لتتم مناقشتها في المؤتمر المقبل.

وأجمعت الوفود المشاركة في هذا المؤتمر على وجود نقص فادح في مستوى نشر المؤشرات الإحصائية عن التعليم في العالم العربي، وهو ما يعيق رسم ملامح خطة مستقبلية لمعالجة المشاكل التي يعاني منها التعليم باعتباره من الركائز الأساسية لرقي المجتمعات ومضيها نحو التقدم.

وضمن هذا السياق، يقول عبد الله حمد محارب -المدير العام لمنظمة ألكسو، التي نظمت المؤتمر التاسع تحت عنوان "الارتقاء بالتعليم الأساسي في الوطن العربي"- إن المنطقة تعاني من تأخر كبير في نشر الإحصاءات والبيانات عن واقع التعليم، مشددا على أنها روح أي دراسة علمية لإصلاح المنظومة التربوية.

ولدى سؤاله عن وضع التعليم في العالم العربي يقول للجزيرة نت إنه باستثناء بعض التجارب العربية يعاني التعليم من تدهور كبير على مستوى الجودة، مشيرا إلى أنه في حاجة ماسة لإعادة صياغة مناهج التعليم في مختلف مراحله لجبر الكثير من النقائص التي لا تمكن من تطوير قدرات الناشئة.

الجراي: حالات الانقطاع عن التعليم الأساسي تعد بالآلاف (الجزيرة نت)
التحولات العميقة
وتواجه دول العالم العربي -خاصة في ظل التحولات العميقة التي تواجهها- الكثير من المصاعب والمحن التي تهدد مستقبل أجيالها واستقرارها. ففي تونس مثلا يعاني التعليم الأساسي من تراجع في جودة المناهج التعليمية ناهيك عن ارتفاع حالات الانقطاع المبكر عن التعليم، وهي ظاهرة منتشرة.

ويؤكد وزير التربية التونسي فتحي الجراي للجزيرة نت أن حالات الانقطاع عن التعليم الأساسي تعد بالآلاف، لافتا إلى أن الكثير من المنقطعين عن التعليم يعملون في مهن هشة وغير مهيكلة مثل التجارة الموازية "لأنهم يعتقدون أن مواصلة مسيرة تعليمية طويلة قد لا تفضي للحصول على وظيفة".

وتعتبر تونس من بين البلدان العربية التي تشهد ارتفاعا في مستوى البطالة (15.2%) وهناك قرابة ثلاثمائة ألف عاطل عن العمل من بين المتخرجين من الجامعات. ويقول بعض أصحاب المؤسسات إن شهادات خريجي الجامعات وإمكانياتهم التعليمية لا تتلائم ومتطلبات سوق الشغل.

وعند هذه النقطة، أوضح فتحي الجراي أن التعليم في تونس وفي الوطن العربي ككل تراجع من حيث الجودة، فالطلبة المتخرجون ليسوا بالجودة المطلوبة التي تمكنهم من النفاذ إلى سوق الشغل، كاشفا أن تونس انطلقت في عملية تشخيص شامل للمنظومة التعليمية لإصلاح مناهج التعليم.

ويرى أن النظام السابق في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وظف التعليم واشتغل على تلميع صورته عبر تضخيم المؤشرات للدعاية السياسية على حساب الجودة "وهذا ما أفسد المنظومة التربوية وجعلها لا ترتقي إلى المعايير الدولية المستوجبة في هذا المجال".

 شمة: الطالب العراقي إذا أعطيه قلما سيرسم دبابة لأنّ الحرب بمخيلته (الجزيرة نت)

مخاطر حقيقية
ويقول أيضا إن وزارة التربية التونسية وضعت خطة لحماية المؤسسات التعليمية بهدف وقاية الناشئة داخل المدارس من انتشار بعض المظاهر المنحرفة مثل التدخين واستهلاك المخدرات والعنف اللفظي، التي قال إن "وجودها خطير جدا ومناف تماما للصورة التي يجب أن تكون عليها المدرسة".

وبقطع النظر عن مثل هذه الإشكالات يرى الدكتور العراقي زهير شمة أنّ هناك مخاطر حقيقية يواجهها العالم العربي في ظل التحولات السياسية الراهنة، مؤكدا أن "الكثير من المناطق العربية مثل سوريا أصبحت مهددة بالتخلف نتيجة تدهور التعليم وتعطله في ظل انتشار الحروب والصراع على السلطة".

وصرح للجزيرة نت بأن "هناك جماعات متشددة ظهرت بعد الثورات العربية تحاول تغيير نمط التعليم لفرض مناهج مخالفة للمناهج الموجودة". وأكد على ضرورة إعادة تأهيل الطلبة في بعض المجتمعات العربية، قائلا بهذا السياق "الطالب العراقي مثلا إذا أعطيته قلما سيرسم طائرة ودبابة لأنّ الحرب بمخيلته".

وفي ظل غياب الأمن والاستقرار في عدد من الدول العربية، اقترح المدير العام لمنظمة ألكسو على وزراء التربية في تلك الدول التي تعيش أوضاعا أمنية صعبة أن تعي خطورة الوضع وأن تضع مخططات مناسبة تمكنها من تأمين تعليم جيد لناشئتها وتمكنها من تجاوز المحن التي قد تنتجها تلك الأوضاع الأمنية.

المصدر : الجزيرة