أقسم مرارا أنه لا يطمع في السلطة، لكنه كشف يوما عن رؤى قديمة بأنه سيصبح يوما رئيسا للجمهورية، وبعد رحلة طويلة ظللتها الصراعات وأريقت خلالها دماء آلاف المصريين، حقق الرجل حلمه وأصبح رئيسا لمصر.

أنس زكي

قاد انقلابا على الرئيس الذي عينه وزيرا للدفاع، وأقسم بأغلظ الأيمان أنه لا يرغب في السلطة ولا يطمح إليها، قبل أن يسرّ يوما لأحد جلسائه بأنه يمتلك تاريخا طويلا من الرؤى والأحلام، وأنه رأى في منامه أنه سيصبح يوما ما رئيسا لمصر.

خرج السر إلى العلن عبر تسريب راج في كثير من وسائل الإعلام المحلية والعالمية، لكن الرجل أصر على أنه لا يطمع في السلطة ولا يريدها، بل وتطوع أحد كبار مساعديه محاولا نفي صفة الانقلاب عما قام به قائده، فقال موضحا إنه سيكون انقلابا فعلا لو أن السيسي أو غيره من قادة الجيش نال ترقية أو حصل على منصب وهو ما لم يحدث، على حد قوله.

كان هذا صحيحا عندما قاله قائد الجيش الثاني اللواء أحمد وصفي في حينه، لكن المثير أن المنفيّ حدث فعلا، فسرعان ما حصل السيسي على ترقية رفعته إلى رتبة المشير أعلى رتبة بالجيش المصري، ومنحها له الرئيس المؤقت عدلي منصور الذي اختاره السيسي نفسه ليصبح رئيسا لمصر عقب الإطاحة بالرئيس محمد مرسي بعد عام واحد قضاه في السلطة.

ليس هذا فقط، فقد بدأ السيسي في التراجع عن تصريحاته مقتربا من حلمه الكامن، فقال أولا إنه لن يدير ظهره للجماهير التي تطالب به رئيسا، ثم أكد أنه لن يقبل المنصب إلا بموافقة من الجيش وتفويض من الشعب، قبل أن يعلن فعلا ترشحه لانتخابات تجري وفق خارطة الطريق التي سبق أن أعلنها هو نفسه.

السيسي يؤدي التحية لمرسي
عندما عينه وزيرا للدفاع (وكالات)

حلم فحقيقة
الحلم القديم يوشك إذن أن يتحول إلى حقيقة، بل تحقق فعلا بعد أن توالت نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت يومي 26 و27 مايو/أيار 2014 وامتدت ليوم ثالث أملا في زيادة عدد المشاركين، مشيرة إلى أنه حقق فوزا كاسحا على منافسه الوحيد حمدين صباحي.

ربما يكون هذا إذن تفسيرا لما قال السيسي إنه رآه في منامات مختلفة، فمرة يرفع سيفا ويلبس في يده ساعة فخمة عليها نجمة خضراء، ومرة ثانية يسمع هاتفا يبشره بأنه سينال ما لم ينله أحد، وثالثة يلتقي فيها بالرئيس الراحل أنور السادات ويؤكد له أنه يعرف أنه سيكون رئيسا للجمهورية.

لم يحدد الرجل بدقة متى كانت هذه الأحلام وعن أي آمال دفينة عبرت، لكن المناصب التي تقلدها والسرعة التي ترقى بها توشي بأن الرجل كان يعمل بجد من أجل تحقيق هذه الأحلام، أو بأن جهة أو شخصا ما كانا يساعدانه على ذلك أو كلا الأمرين معا.

السيرة الذاتية للسيسي تشير إلى أنه ولد يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1954، وتخرج في الكلية الحربية عام 1977، ثم نال الماجستير من كلية القادة والأركان عام 1987، والماجستير من كلية القادة والأركان البريطانية عام 1992، كما حصل على زمالة كلية الحرب العليا من أكاديمية ناصر العسكرية عام 2003 وزمالة من كلية الحرب العليا الأميركية عام 2006.

شغل مناصب عدة في المؤسسة العسكرية، من رئيس لفرع المعلومات والأمن بالأمانة العامة لوزارة الدفاع إلى قائد كتيبة مشاة، وملحق عسكري بالسعودية وقائد لواء مشاة، ورئيس أركان المنطقة الشمالية ثم قائد المنطقة نفسها، وبعد ذلك قائد سلاح المظلات، قبل أن يتحول إلى المنصب الأخطر حيث المخابرات الحربية التي عمل رئيسا لأركانها ثم مديرا لها.

خلافة طنطاوي
يقول الكثيرون إنه كان مقربا من وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي، وإن الأخير كان يعده لخلافته عبر ترقيات متتالية جعلته يسبق كثيرا من أقرانه ويخطو على طريق تحقيق حلمه الدفين، لدرجة أنه أصبح الأصغر سنا بين أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو المجلس الذي تسلم السلطة بعدما اضطر الرئيس حسني مبارك للتنحي تحت وطأة ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 بعد حكم استمر ثلاثة عقود.

ومع الثورة بدأ السيسي يظهر في الحياة السياسية على استحياء، أولا عبر تصريحات تهاجم التعامل العنيف للأمن ضد المتظاهرين، وثانيا عبر الاعتراف بأن القوات المسلحة تجري ما يسمى كشف العذرية القسري على المحتجزات لدى الشرطة العسكرية، وهي القضية التي فجرت جدلا بمصر واعتبرت انتهاكا فاضحا لحقوق المعتقلات وآدميتهن.

ثم توارى الرجل لفترة قبل أن يعاود الظهور في أغسطس/آب 2012 الذي شهد واحدا من أبرز التطورات على صعيد تحقيق حلمه، فبعد حادث مقتل 16 جنديا مصريا في هجوم شنه مجهولون في شمال سيناء، أقدم الرئيس المنتخب محمد مرسي على إقالة وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي وعيّن السيسي بدلا منه، كما منحه ترقيتين استثنائيتين نقلتاه من رتبة اللواء إلى رتبة فريق أول.

في الأشهر الأولى أظهر السيسي ولاء وخضوعا ظاهرين للرئيس الذي اختاره، لكنه مع أواخر العام 2012 بدأ ما يمكن اعتباره نوعا من جس النبض في صراع مكتوم بين الجيش الذي احتكر السلطة على مدى نحو ستين عاما، وبين الرئيس المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، حيث قام السيسي بالدعوة إلى حوار يرعاه الجيش بين الفرقاء السياسيين دون استشارة الرئاسة، كما خرجت عنه تصريحات مختلفة يتحدث بعضها عن دور للجيش في حماية المصريين، وبعضها عن نفي احتمال تدخل الجيش في السياسة.

مع قرب نهاية النصف الثاني من العام 2013 كانت حملة المعارضة قد تصاعدت ضد مرسي، وظهرت حملة "تمرد" التي تدعو إلى جمع توقيعات تطالب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وهنا برز السيسي إلى الساحة ليعلن عن مهلة من الجيش للقوى السياسية من أجل حل خلافاتها لمدة أسبوع، قبل أن يعلن عن مهلة إضافية مدتها يومان.

مؤيدو السيسي يرونه بطلا سيحمي مصر  (الجزيرة)

عزل الرئيس
كانت المساواة بين الرئيس الشرعي والمعارضين له مؤشرا واضحا على ما ينوي الرجل فعله. وبعد مظاهرات معارضة يوم 30 يونيو/حزيران، خرج السيسي يوم 3 يوليو/تموز لا ليلبي مطالب الداعين لانتخابات مبكرة، ولكن ليعلن ما أسماها خارطة سياسية جديدة تضمنت تعطيل الدستور وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور رئيسا مؤقتا للجمهورية، مما يعني ضمنيا الإطاحة بمرسي.

خرجت المظاهرات الحاشدة رافضة للانقلاب ومؤيدة لشرعية مرسي وداعمة لاعتصام أنصاره في ميداني رابعة العدوية والنهضة بالقاهرة، فرد عليها السيسي بالخروج يوم 26 يوليو/تموز ليطالب الشعب بتفويضه من أجل "محاربة العنف والإرهاب المحتمل"، لتبدأ من بعدها حملة عنيفة شملت قتل المئات وإصابة واعتقال الآلاف من أنصار مرسي.

وسط كل التطورات كان السيسي يؤكد من آن إلى آخر، بل ويقسم بأنه لا يطمع في السلطة، لكن الحقيقة أن الرجل واصل صعوده السياسي والعسكري، فأصبح نائبا لرئيس الوزراء للشؤون الأمنية إضافة إلى منصبه كوزير الدفاع في الحكومة التي شكلها حازم الببلاوي بتكليف من عدلي منصور، ثم منحه الأخير ترقية جديدة قفز بموجبها إلى رتبة المشير، أعلى رتبة في الجيش المصري.

الحلم يبدو قريب المنال، والرجل يستخدم لغة شديدة العاطفية جعلته بطلا ورمزا في عيون أنصاره خصوصا من النساء، وفي الوقت نفسه يواصل القسم بأنه لا يطمع في السلطة، لكن النغمة تتغير تدريجيا بالتزامن مع تصاعد مطالبات دارت بها آلة الإعلام الجبارة، فتعطف الرجل أولا وقال إنه لن يعطي ظهره للشعب المصري، ثم قطع الشك باليقين فأعلن استقالته من الجيش وترشحه للرئاسة.

وسائل الإعلام المصري وهي بالعشرات ما بين مشاهدة ومسموعة ومقروءة، شنت حملة تمجيد للرجل نسبت إليه كل الفضائل بل وحتى صفات النبوة، والسيسي بدوره وعد بأن تصبح مصر ليس فقط "أم الدنيا" وإنما أيضا "قدّ الدنيا".

خاض السيسي معركة انتخابية سهلة أو قل مضمونة النتيجة، فقد قاطعها معارضوه خصوصا من مؤيدي شرعية الرئيس المعزول مرسي، وحقق فيها فوزا كاسحا على صباحي الذي اعتبره البعض منافسا ضعيفا واعتبره آخرون شريكا في تمثيلية هزلية. 

أكد السيسي مرارا أن الجيش لن يتدخل في السياسة أو ينزل إلى الشارع، ثم قاد الجيش للتدخل والنزول، وأقسم مرارا أنه لا يطمع في السلطة، ثم غازلها واقترن بها، لتصبح الغلبة في النهاية لذلك الحلم القديم على حساب تأكيدات وتعهدات ذهبت أدراج الرياح.

المصدر : الجزيرة